النطاق التطبيقي لشرط الإشهار على دعاوى الفسخ والإبطال والإلغاء: متطلبات قيد العريضة في البطاقات العقارية وإثباتها أمام قضاء الموضوع

متطلبات إشهار الدعاوى القضائية المتعلقة بالحقوق العقارية المشهرة:

إن إشهار عريضة الدعوى الافتتاحية في مجال المنازعات العقارية يمثل حجر الزاوية في منظومة السجل العقاري، ويعكس التزام المشرع بمبدأ القوة المُطلقة للإشهار وضرورة العلم اليقيني للغير بالوضع القانوني للعقار. لا يعد هذا الإجراء مجرد شكلية، بل هو شرط جوهري لقبول الدعوى القضائية، ينظمه بالتحديد المادة 85 من المرسوم رقم 76/63، المتعلق بتأسيس السجل العقاري.


1. الإطار الفلسفي والقانوني لشرط الإشهار:

يستند شرط الإشهار على مبدأ إضفاء الحماية القانونية على الحقوق العقارية المشهرة، حيث إن الهدف الأساسي من السجل العقاري هو تطهير وضعية العقارات وإخراجها من حالة الشيوع القانوني إلى حالة الثبات والاستقرار.

  • حماية الغير حسن النية: يضمن إشهار الدعوى أن أي شخص ينوي التعامل على العقار المتنازع عليه (شراءً، رهنًا، أو غير ذلك) سيكون على علم مسبق بوجود نزاع قضائي قد يؤدي إلى المساس بالحق المشهر.
  • استقرار المعاملات: يمنع هذا الإجراء التحايل أو التصرف في العقار أثناء سريان الدعوى القضائية، مما يحفظ حقوق المتخاصمين ويُجنّب إدخال أطراف جدد إلى النزاع.
  • عينية النزاع: الدعوى العقارية هي دعوى عينية بامتياز؛ أي أنها تتعلق بذات العقار. وعليه، يجب أن يكون العقار نفسه هو من يحمل إشارة النزاع في وثائقه الرسمية (البطاقة العقارية).


2. نطاق تطبيق شرط الإشهار: الدعاوى المعنية:

النص القانوني حصر شرط الإشهار في الدعاوى التي ترمي إلى تغيير أو إبطال أثر وثائق سُجلت وأُشهرت مسبقاً. ويتسع هذا النطاق ليشمل بشكل خاص الدعاوى التالية، مع ضرورة التفصيل في كل واحدة:

أ. دعاوى الفسخ (Résiliation):

تُرفع هذه الدعوى نتيجة الإخلال بالتزام تعاقدي جوهري في عقد تم إشهاره. والمطالبة بالفسخ تعني طلب زوال الآثار القانونية للعقد بأثر رجعي أو مستقبلي.

  • مثال عملي: إذا باع شخص عقاراً واحتفظ بحق الفسخ لعدم سداد الثمن كاملاً أو لعدم تنفيذ شرط بنائي محدد، فإنه عندما يرفع دعوى فسخ العقد المشهر، يجب عليه إشهار عريضة هذه الدعوى أولاً. هذا الإشهار يُنذر المشتري والغير بأن ملكيته أصبحت مهددة بالزوال.

ب. دعاوى الإبطال (Nullité):

تستهدف هذه الدعاوى عيوب الإرادة أو نقص الأهلية التي شابت العقد عند تكوينه، وهي تتطلب إزالة العقد كلياً من الوجود القانوني، مما يؤثر بشكل مباشر على السجل العقاري.

  • مثال عملي: إذا رُفعت دعوى لإبطال عقد بيع عقاري تم إبرامه بناءً على تدليس (غش) أو إكراه، فإن هذا الطعن في سلامة إرادة المتعاقد يستوجب إشهار الدعوى. عدم الإشهار قد يُمكن الطرف المدّعى عليه من التصرف في العقار أثناء سير القضية، مُعتبرًا نفسه ما زال المالك القانوني بناءً على العقد المشهر.

ج. دعاوى الإلغاء (Annulation) ونقض الحقوق:

تتعلق هذه الفئة بالطعن في قرارات أو وثائق صادرة عن الجهات الإدارية والتي تُعد ناقلة للملكية (مثل عقود التنازل أو التخصيص الإداري). كما تشمل أي دعوى تهدف إلى إزالة أو نقض أو إنهاء حق عيني مشهر.

  • مثال عملي: المطالبة بإلغاء قرار إداري منح قطعة أرض، أو الطعن في عقد شهرة (وثيقة تثبت الملكية) تم إشهاره، كما ورد في المثال القضائي المُشار إليه (القرار رقم 186.606). هذا النوع من الدعاوى يُعد طعناً مباشراً في سند الملكية المشهر، وبالتالي يجب إشهار العريضة لـتُنقش في البطاقة العقارية للعقار المعني.

3. الإجراءات العملية لإثبات الإشهار أمام القضاء:

إن الإثبات أمام قاضي الموضوع هو الخطوة الحاسمة لقبول الدعوى، ولا يكفي مجرد القول بالإشهار، بل لا بد من تقديم دليل رسمي مُحدّد بموجب المادة 85:

أ. الحصول على شهادة المحافظ العقاري:

يستوجب على المدعي التوجه إلى المحافظة العقارية المختصة إقليمياً وتقديم طلب إشهار عريضة الدعوى. بعد إتمام الإجراءات والتسجيل في سجل المحررات، يمكن للمدعي طلب:

  • شهادة رسمية: تُسلم من المحافظ العقاري، تُفيد بأن عريضة الدعوى المتعلقة بالعقار المذكور قد تم إشهارها وتاريخ ذلك الإشهار ورقم قيدها.

ب. التأشير على العريضة الافتتاحية:

قد يُكتفى بتقديم نسخة من العريضة الافتتاحية تحمل في أسفلها أو هامشها تأشيرة رسمية من المحافظ العقاري، تكون بمثابة إقرار وإثبات على قيام الإشهار. هذه التأشيرة يجب أن تكون واضحة ومُحدّدة بتاريخ الإيداع والقيد في سجلات الإشهار.


4. الجزاء القانوني: عدم القبول الشكلـي للدعوى

الجزاء المترتب على الإخلال بشرط إشهار الدعوى هو جزاء صارم ومطلق، وهو عدم القبول الشكلي للدعوى، وليس الحكم برفضها موضوعاً.

  • مخالفة القانون: إن قضاة الموضوع الذين يتجاهلون هذا الشرط، وينظرون في دعوى لم تُشهر عريضتها، يكونون قد خالفوا قاعدة إجرائية آمرة، مما يعرض قرارهم للنقض من قبل المحكمة العليا، كما أكد ذلك القرار رقم 108.200 (المؤرخ في 16-03-1994).
  • الدفع بالإشهار: يُعتبر الدفع بعدم إشهار عريضة الدعوى دفعاً شكلياً متعلقاً بالنظام العام الإجرائي، ويمكن للطرف المدعى عليه التمسك به في أي مرحلة من مراحل التقاضي، أو حتى يمكن للقاضي أن يثيره من تلقاء نفسه، كونه مرتبطاً بالآثار العامة للسجل العقاري.

خلاصة القول، شرط الإشهار ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو آلية قانونية حتمية تهدف إلى تطهير السجلات العقارية وإضفاء الشفافية المطلقة على وضعية الحقوق، ويجب على المدعي في المنازعات العقارية أن يعتبر إشهار عريضته الخطوة الأولى والأكثر أهمية لضمان قبول دعواه أمام القضاء.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال