إشكالية ممارسة حق الشفعة في العقارات المحفظة بين متطلبات التسجيل العقاري وضمانات حماية حقوق الشفيع: دراسة في المواقف الفقهية والاجتهاد القضائي المغربي

إشكالية الشفعة في العقار المحفظ: جدلية البيع غير المسجل

يعد موضوع ممارسة حق الشفعة في العقار المحفظ عند عدم تقييد عقد البيع في السجل العقاري من أكثر المواضيع إثارة للجدل في الفقه القانوني المغربي، وقد شهد هذا الموضوع تذبذباً واضحاً في مواقف المجلس الأعلى (محكمة النقض حالياً)، حيث انقسم الفقه والاجتهاد القضائي إلى اتجاهين متناقضين.


أولاً: الاتجاه المؤيد لجواز الأخذ بالشفعة قبل التسجيل

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الشفيع يحق له ممارسة حقه حتى وإن لم يتم تقييد العقد في الرسم العقاري، مستندين في ذلك إلى مبررات واقعية وقانونية تهدف بالأساس إلى حماية حق الشفيع:

  • منع التحايل: يرى هذا الاتجاه أن اشتراط التسجيل لثبوت حق الشفعة يفتح باباً واسعاً للحيل؛ إذ يمكن للمشتري التقاعس عمداً عن التسجيل لانتظار اللحظة المناسبة أو استغلال ظروف الشفيع، مما يجعل الأخير في حالة تبعية للمشتري وإهداراً لحق خوله له القانون.
  • الطبيعة التوافقية للبيع: يفرق هذا الرأي بين "انعقاد البيع" و"نقل الملكية". فالعقد يعتبر صحيحاً وتاماً بمجرد تراضي الطرفين وتوثيقه، أما التسجيل فهو إجراء لاحق يخص نقل الملكية فقط، وبالتالي فإن عدم التسجيل لا ينفي وجود العقد كواقعة قانونية تستوجب الشفعة.
  • الاستناد إلى نصوص ظهير 1915: يستدل أنصار هذا الاتجاه بأن نصوص الشفعة (مثل الفصل 32 من ظهير 2 يونيو 1915) لم تشترط التسجيل كقيد للقيام بدعوى الشفعة، بل اكتفت بتاريخ إبرام العقد، مما يعني أن المشرع لم يجعل من التقييد العقاري ركناً لممارسة هذا الحق.
  • ضمان استقرار العقار: يرى هذا الفريق أن انتظار الشفيع حتى يتم التقييد قد يطيل أمد النزاع، في حين أن جوهر نظام الشفعة يقوم على "السرعة والعجلة" لإنهاء الوضعية القانونية للعقار في أسرع وقت ممكن.


ثانياً: الاتجاه المعارض لجواز الأخذ بالشفعة قبل التسجيل

في المقابل، يتبنى هذا الاتجاه موقفاً أكثر تشدداً بالاعتماد على المبادئ الجوهرية لنظام التحفيظ العقاري:

  • مبدأ نسبية الأثر في العقار المحفظ: يرتكز هذا الرأي على أن قانون التحفيظ العقاري يجعل من التقييد في الرسم العقاري "الواقعة المنشئة للملكية". فما لم يسجل البيع، لا توجد ملكية قانونية قابلة للتداول، وبالتالي لا يتصور وجود "بيع" يرتب آثاراً تجاه الغير (كالشفعة) دون هذا الإجراء.
  • سد ذريعة التناقض: يرى هذا الاتجاه أن الاعتراف بالشفعة في عقد غير مسجل يتصادم مع المبادئ المستقرة للتحفيظ، حيث لا فرق في الحجية بين العقد وتقييده. فالقانون لا يحمي الشفيع إلا إذا ثبت انتقال الملكية للمشتري، فإذا كان العقد غير ناقل للملكية فهو بمثابة "العدم" قانوناً.
  • استباق الزمن: يعتبر أصحاب هذا الرأي أن دعوى الشفعة قبل التسجيل هي دعوى "سابق لأوانها"؛ إذ لا يمكن للمدعي في الشفعة أن يخاصم مشترياً لم تكتسب صفته كمالك بعد في الرسم العقاري، مما يجعل الدعوى تفتقر إلى الصفة القانونية.


ثالثاً: تطور الموقف القضائي المغربي

تأرجح القضاء المغربي بين هذين الاتجاهين بشكل لافت:

  1. المرحلة الأولى (الاعتداد بالتسجيل): كان القضاء يسير في اتجاه حصر الشفعة في العقارات المسجلة فقط. وقد تجلى ذلك في قرارات مثل قرار استئنافية الرباط الذي قضى بعدم جواز الشفعة نهائياً قبل التقييد، وقرارات للمجلس الأعلى التي كانت تعتبر تاريخ التسجيل هو المرجع لاحتساب أمد الشفعة.
  2. المرحلة الثانية (التحول نحو المرونة): أحدث المجلس الأعلى تحولاً جوهرياً في موقفه بموجب القرار الشهير رقم 585 بتاريخ 20 سبتمبر 1976، حيث أقر صراحةً بجواز ممارسة حق الشفعة حتى ولو لم يتم تسجيل عقد الشراء في الرسم العقاري، منتصراً بذلك للرأي الذي يمنع التحايل على حق الشفيع.

رؤية ختامية:

رغم أهمية الاعتبارات الاجتماعية التي تمنع التحايل على الشفيع، إلا أن الاتجاه الذي يتطلب التسجيل كشرط أساسي يبقى الأكثر انسجاماً مع "فلسفة التحفيظ العقاري". فالبيع غير المسجل يظل في حكم العدم بالنسبة للغير وفقاً لقواعد التحفيظ؛ ولأن الشفعة هي استثناء يرد على حرية التصرف في الملكية، يجب أن يظل نطاقها محدوداً بوضوح الملكية المسجلة، وهو ما يضمن الأمن العقاري ويقطع الطريق على النزاعات الناشئة عن عقود لم تستوفِ شروطها القانونية الكاملة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال