الآثار المالية لممارسة حق الشفعة: القواعد المنظمة لتعويض المشفوع منه عن التحسينات المادية والإنشائية

التحسينات في حق الشفعة:

تعد الشفعة من الحقوق التي تثير إشكالات قانونية معقدة، خاصة فيما يتعلق بالآثار المالية المترتبة على انتقال الملكية من المشتري (المشفوع منه) إلى الشفيع. ومن أبرز هذه الإشكالات ما يُعرف بـ "التحسينات"، وهي النفقات والمصروفات التي يضيفها المشتري للعقار خلال الفترة الفاصلة بين تاريخ شرائه للحصة وتاريخ ممارسة الشفيع لحقه. وتبرز الأهمية هنا في تحديد مفهوم هذه التحسينات، ومعايير التعويض عنها، والتمييز بين المشتري حسن النية وسيء النية.


أولاً: الإطار المفاهيمي للتحسينات (التجديدات)

بالرغم من أن المشرع المغربي في ظهير 2 يونيو 1915 (خاصة الفصل 25 منه) استعمل مصطلح "التحسينات" دون وضع تعريف دقيق له، إلا أن القواعد العامة في ظهير الالتزامات والعقود، وتحديداً الفصل 963، استعملت مصطلح "التجديدات" كمرادف لها.

ويمكن تعريف التحسينات بأنها كل تغيير مادي يطرأ على العقار المبيع يؤدي إلى زيادة قيمته أو منفعته. وتتخذ هذه التحسينات صوراً متعددة، منها ما هو ضروري لحفظ العقار من التلف كالصيانة والترميم، ومنها ما هو نافع يزيد في قيمة العقار دون أن يكون ضرورياً كأعمال البناء والغراس، ومنها ما هو كمالي يتعلق بالزخرفة والصبغ.


ثانياً: التمييز بين التحسين المادي والتحسين الاقتصادي

من الأهمية بمكان التمييز بين نوعين من الزيادة في قيمة العقار لتحديد نطاق التعويض:

  1. التحسين المادي بفعل المشتري: وهو الذي ينتج مباشرة عن إنفاق مالي أو مجهود مادي بذله المشتري (كإقامة بناء أو غرس أشجار). هذا النوع هو الذي قصده المشرع بالتعويض، لأن المشتري أنفق من ماله الخاص لزيادة قيمة الملك.
  2. التحسين الاقتصادي (الخارجي): وهو الارتفاع في القيمة الذي يطرأ على العقار نتيجة ظروف خارجية لا دخل للمشتري فيها، كتحسن الوضع الاقتصادي العام، أو إنشاء مرافق عامة بجانب العقار، أو ارتفاع الطلب على الأراضي. هذا النوع من التحسين لا يمنح المشتري الحق في المطالبة بأي تعويض، لأن الشفيع يأخذ العقار بحالته التي صار إليها بفعل العوامل الطبيعية والاقتصادية دون أن يكون المشتري قد تكبد مصروفات في سبيل ذلك.

ثالثاً: ضوابط إحداث التحسينات في العقار المشاع

بما أن المشتري يشتري حصة شائعة، فإنه يصبح شريكاً مع الشفيع وبقية الشركاء. وهنا تبرز أحكام الفصل 963 من ظهير الالتزامات والعقود، والتي تمنع الشريك من إحداث أي "تجديد" بغير موافقة الباقين. وتتفرع عن هذا القواعد التالية:

  • حالة الإذن المسبق: إذا قام المشتري بالتحسينات بعلم وموافقة الشركاء، فإن هؤلاء (أو من يمارس الشفعة منهم) يلتزمون برد قيمة ما أنفقه المشتري.
  • حالة غياب الإذن (التعسف): إذا انفرد المشتري بإحداث تغييرات جوهرية بغير موافقة، فإنه يُعامل معاملة "المتجاوز"، حيث يكون للشركاء (الشفيع) الخيار بين إلزامه بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه على نفقته، أو تملك تلك التحسينات بقيمتها وهي مستحقة الإزالة.

رابعاً: معيار حسن وسوء النية وأثره في التعويض

يعتبر العلم بطلب الشفعة هو المعيار الفاصل بين حسن وسوء نية المشتري في التشريعات الحديثة (كالتشريع المصري والعراقي) وكذا في الفقه المالكي:

  1. المشتري حسن النية: هو من أحدث التحسينات (بناء أو غراس) قبل أن يصله أي إشعار أو إعلان برغبة الشفيع في ممارسة الشفعة. هنا يحميه القانون ويمنحه الحق في استرداد ما أنفقه أو ما زاد في قيمة العقار.
  2. المشتري سيء النية: هو من يعمد إلى البناء أو الغراس بعد علمه برغبة الشفيع، وغالباً ما يكون هدفه من ذلك "تعجيز" الشفيع عن دفع مبلغ التعويض المرتفع. في هذه الحالة، يُعامل المشتري كالمعتدي، ويحق للشفيع المطالبة بقلع الأشجار وهدم المباني دون أي تعويض، أو تملكها بقيمة "الأنقاض" فقط.

خامساً: موقف المشرع المغربي والفقه المالكي

بالرجوع إلى ظهير 2 يونيو 1915، نجد أن المشرع لم يقيد التحسينات صراحة بحسن أو سوء النية، ولكن القضاء المغربي وتماشياً مع الفقه المالكي المعتمد في العقارات غير المحفظة، يطبق القواعد التالية:

  • في حالة ثبوت حسن النية: يُطبق حكم الفصل 18 من ظهير 1915، حيث لا يمكن للشفيع المطالبة بإزالة المنشآت، ويكون مخيراً بين أداء قيمة المواد وأجرة اليد العاملة، أو دفع مبلغ يعادل ما زاد في قيمة الملك.
  • في حالة ثبوت سوء النية: يُعتبر المشتري عالماً بأن له شفيعاً، وتصرفه المادي في الحصة الشائعة دون إذن يعد اعتداءً. وعليه، يملك الشفيع الخيار بين أخذ التحسينات بقيمتها "منقوضة أو مقلوعة" (قيمة الحطام)، أو إجبار المشتري على الإزالة لإعادة العقار إلى حالته الأصلية.

سادساً: الحالات التطبيقية لتوزيع نفقات التحسينات

يمكن إجمال الحالات العملية في النقاط التالية:

  1. التحسينات الجماعية: إذا اتفق جميع الممالك على الشياع على القيام بأعمال تحسينية، يتحمل المشتري نصيبه من النفقة. وإذا شفع الشركاء حصته، وجب عليهم رد ما ساهم به.
  2. التحسينات المنفردة بإذن: إذا أجرى المشتري التحسينات على حصته المشتراة فقط بإذن الشركاء، وجب على الشفيع أداء قيمتها كاملة عند ممارسة الشفعة.
  3. التحسينات المنفردة بغير إذن: لا يحق للمشتري (المشفوع منه) المطالبة بمقابل عنها، وتطبق عليه أحكام الإزالة أو القيمة المنقوضة حسب اختيار الشفيع.

خاتمة:

إن تنظيم التحسينات في حق الشفعة يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية استثمارات المشتري وحق الشفيع في استرداد ملكه المشاع. فبينما يحرص القانون على تعويض المشتري حسن النية الذي ساهم فعلياً في تثمين العقار، فإنه يضع قيوداً صارمة على المشتري الذي يستعمل التحسينات وسيلة لإعاقة ممارسة حق الشفعة، وهو ما يجسد مبدأ "عدم التعسف في استعمال الحق" ومنع الإثراء بلا سبب.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال