مدى ثبوت حق الشفعة في البيع بالمزاد العلني بين اتجاهات الفقه المعاصر وتوجهات القضاء المغربي والمقارن

إشكالية الشفعة في البيع بالمزاد العلني: بين البيع الرضائي والبيع الجبري

تعتبر الشفعة من المواضيع التي تتقاطع فيها مصلحة الشريك في الحفاظ على ملكه ومنع الضرر، مع مصلحة المشتري في استقرار عقده، ومصلحة المجتمع في حرية التداول العقاري. وتتضاعف هذه الإشكالية عندما يتم البيع عبر المسطرة القضائية (المزاد العلني)، حيث نكون أمام تصادم بين حق الشفيع وإجراءات قانونية رسمية تهدف إلى تحقيق الشفافية والعلنية.


أولاً: الاتجاه المجيز للشفعة في البيع الجبري (الموقف الحمائي للشريك)

يرى هذا الاتجاه أن الشفعة حق عيني يلتصق بالحصة الشائعة بغض النظر عن طريقة انتقال ملكيتها. وتتمثل أسانيد هذا الرأي في التفصيل الآتي:

1. إطلاق النصوص الشرعية والقانونية: ينطلق هذا الرأي من قاعدة أن "المطلق يجري على إطلاقه". فالمشرع في النصوص المنظمة للشفعة (سواء في الفقه الإسلامي أو التشريعات الوضعية التي لم تنص على المنع) استعمل لفظ "البيع" بصفة عامة. والبيع بالمزاد العلني هو في نهاية المطاف "بيع" تنتقل فيه الملكية مقابل ثمن، فتطبق عليه أحكام الشفعة لعدم وجود مخصص لهذا العموم.

2. فلسفة دفع الضرر (علة التشريع): إن الحكمة من مشروعية الشفعة هي دفع ضرر "شركة الملك" وما قد ينجم عنها من سوء تفرقة أو تدخل أجنبي يثقل كاهل الشركاء. وهذا الضرر لا يتغير بتغير وسيلة البيع؛ فدخول شخص أجنبي عن طريق المزاد العلني يسبب نفس الضرر الذي يسببه دخوله عن طريق عقد بيع رضائي، مما يستوجب بقاء حق الشفعة قائماً لإزالة هذا الضرر.

3. حماية الشريك من التواطؤ أو العجز: قد يزعم البعض أن المزاد علني ويمكن للشريك المشاركة فيه، لكن أنصار هذا الرأي يردون بأن الشريك قد لا يملك السيولة الكافية وقت المزاد، أو قد تمنعه ظروف قاهرة من الحضور. كما أن الفصل 33 من ظهير 1915 المغربي (أو ما يعادله) صريح في أن التنازل عن الشفعة لا يكون معتبراً إلا بعد ثبوت الحق بالشراء، مما يعني أن سكوت الشريك أثناء المزايدة لا يعتبر قانوناً تنازلاً عن حقه.


ثانياً: الاتجاه المانع للشفعة في البيع الجبري (موقف استقرار المعاملات)

يستند هذا التوجه إلى أن طبيعة البيع الجبري تختلف جوهرياً عن البيع الرضائي، ويقوم على تفاصيل قانونية دقيقة:

1. الطبيعة الاستثنائية للشفعة: الشفعة خروج عن الأصل العام الذي يقضي بأن "للمالك مطلق التصرف في ملكه". والقواعد القانونية تقرر أن ما جاء على خلاف الأصل لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره. فبما أن الشفعة تقيد حرية التعاقد، يجب حصرها في البيوع الرضائية فقط، حيث يختار البائع المشتري، أما في المزاد فالقانون هو من يحدد المشتري (صاحب أعلى عطاء).

2. صيانة هيبة الإجراءات القضائية: البيع الجبري يتم تحت إشراف القضاء ووفق إجراءات إشهار دقيقة (نشر بجرائد، تعليق إعلانات، منادي). هذه العلنية تحقق الغرض الذي من أجله شرعت الشفعة وهو "العلم بالبيع". فإذا علم الشريك بالمزاد ولم يتقدم للمزايدة، فإن ممارسته للشفعة لاحقاً تعتبر نوعاً من "اللدد في الخصومة" وإرباكاً للعمليات التنفيذية والقضائية.

3. التأثير السلبي على قيمة العقار: إن فتح باب الشفعة في البيوع الجبرية يؤدي إلى عزوف المتزايدين عن المشاركة، لأن المشتري سيشعر أن ملكيته مهددة بالانتزاع في أي لحظة من قبل الشفيع. هذا العزوف يؤدي بالضرورة إلى انخفاض ثمن العقار، مما يضر بالمدين (صاحب العقار) والدائنين على حد سواء، وهو ضرر عام يقدم على الضرر الخاص للشريك.

4. الحجة النصية والمقارنة: يستدل هذا الاتجاه بموقف المشرع المصري (المادة 939) الذي كان حاسماً ومنع الشفعة في المزاد العلني لتجنب هذه التعقيدات. كما يرون أن نصوص القانون التي تلزم الشفيع بدفع الثمن "وفاءً عن طريق التعاقد" توحي بأن المشرع كان يستحضر في ذهنه البيوع الاختيارية لا الجبرية.


ثالثاً: موقف القضاء المغربي والقراءة التحليلية

على الصعيد العملي، انتصر القضاء المغربي للنزعة الحمائية للشريك. وتتلخص حيثيات الأحكام القضائية (كقرارات محكمة الاستئناف بالرباط) في أن:

  • حق الشفعة حق أصيل للشريك لا يسقط إلا بموجب نص صريح أو تنازل واضح بعد البيع.
  • إجراءات المزاد العلني هي إجراءات "مسطرية" لتحديد الثمن والمشتري، لكنها لا تغير من جوهر العقد كونه "بيعاً".
  • عدم نص المشرع المغربي على المنع (خلافاً للمصري) يعني إبقاء الحق على أصله.


رابعاً: رؤية نقدية وترجيح

بالرغم من توجه القضاء المغربي، فإن المنطق القانوني الحديث يميل إلى تقييد الشفعة في البيوع الجبرية؛ وذلك للأسباب التالية:

  1. الاستقرار العقاري: البيع بالمزاد العلني يهدف إلى إنهاء النزاعات وتصفية الحقوق، وإتاحة الشفعة بعدها يفتح باباً جديداً للتقاضي قد يستمر سنوات.
  2. العدالة الاقتصادية: من العدل أن يشارك الشريك في المزاد كغيره من المتزايدين، فإذا كان الثمن قد رسا على رقم معين، فإنه كان بإمكانه دفعه أثناء الجلسة، وفي ذلك حماية لسرعة التنفيذ.
  3. تجنب التناقض: الشفعة تقوم على مفاجأة الشريك بمشتري غير مرغوب فيه، أما في المزاد فكل شيء يتم تحت الضوء، مما ينفي عنصر المفاجأة ويسقط مبرر الحمى القانونية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال