تأصيل شرط الصفة كركيزة جوهرية لقبول الدعوى القضائية والتمييز بين صاحب الحق المباشر ومن ينوب عنه

مفهوم شرط الصفة في الدعوى القضائية وأبعاده النظامية:

تُعد "الصفة" أحد الركائز الجوهرية لقبول أي دعوى قضائية أمام المحاكم؛ إذ لا يكفي أن يكون الحق موجوداً فحسب، بل يجب أن تُرفع الدعوى من الشخص الذي منحه النظام الحق في المطالبة به. وتفصيل ذلك يكمن في النقاط التالية:


أولاً: التعريف القانوني للصفة

الصفة هي العلاقة القانونية التي تربط بين أطراف الدعوى (المدعي والمدعى عليه) وبين الحق المتنازع عليه. وبمعنى أكثر دقة، هي أن يكون المدعي هو "صاحب المصلحة المباشرة" الذي تضرر من ضياع الحق أو الاعتداء عليه، ويكون له وحده –بموجب القانون– سلطة التصرف في هذا الحق، سواء بالمطالبة به، أو إبرام صلح بشأنه، أو التنازل عنه بالكلية.


ثانياً: نماذج تطبيقية لتجسيد شرط الصفة

لتوضيح المفهوم بشكل عملي، يمكن استعراض الأمثلة التالية:

  • في عقود البيع: إذا ثار نزاع حول "ثمن المبيع"، فإن الصفة تنعقد حصراً للبائع (باعتباره الطرف المتعاقد) أو لورثته من بعده (باعتبارهم الخلف العام الذي انتقل إليهم الحق المالي). فلا يحق لصديق البائع أو جاره المطالبة بالثمن، لانتفاء الصفة.
  • في عقود الإيجار: عند المطالبة بالأجرة المتأخرة، يجب أن تُرفع الدعوى من "المؤجر" المذكور في العقد أو من يمثله شرعاً (كالولي أو الوصي في حال كان المؤجر قاصراً)، أو الورثة بعد وفاته، كونهم أصحاب الحق المباشر في تلك الأموال.

ثالثاً: التمييز بين "الصفة" و"حق الوكالة"

يقع خلط شائع بين كون الشخص صاحب صفة وبين كونه وكيلاً، والنظام القضائي يفرق بينهما بدقة:

  1. تسجيل الدعوى باسم الأصيل: يجب أن تُقيد الدعوى في سجلات المحكمة وصحيفة الدعوى باسم صاحب الحق نفسه (المدعي الأصيل). فلا يجوز قانوناً أن تُسجل الدعوى باسم "المحامي" أو "الوكيل" بصفته مدعياً.
  2. دور الوكيل في الخصومة: تنحصر مهمة الوكيل أو المحامي في "مباشرة الخصومة" وتمثيل الأصيل أمام الدائرة القضائية. فالوكيل يتحرك بموجب سلطة مستمدة من عقد الوكالة للدفاع عن حقوق موكله، لكنه لا يُعد طرفاً أصيلاً في النزاع.
  3. النتيجة القانونية: إذا سجل الوكيل الدعوى باسمه الشخصي بدلاً من اسم موكله، فإن الدعوى تواجه خطر الحكم بـ "عدم قبول الدعوى لرفضها من غير ذي صفة"، حتى وإن كانت وكالته صحيحة، لأن الخلل وقع في تحديد "المدعي" وليس في صلاحية التمثيل.

رابعاً: أهمية تحقق القاضي من الصفة

يلتزم القاضي بالتحقق من شرط الصفة قبل النظر في موضوع النزاع؛ وذلك لضمان عدم إشغال مرفق القضاء بدعاوى كيدية أو دعاوى ترفع من أشخاص لا يملكون حق التصرف في النزاع. فإذا انعدمت الصفة، سقطت الدعوى شكلاً دون الحاجة لبحث الأدلة والبراهين المتعلقة بأصل الحق.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال