المنهجية النظامية المتبعة في فض تنازع الاختصاص النوعي بين الدوائر القضائية داخل المحكمة الواحدة

الإجراءات النظامية عند تنازع الاختصاص النوعي داخل المحكمة الواحدة:

عندما تُطرح دعوى أمام دائرة قضائية وتجد هذه الدائرة أنها تخرج عن حدود اختصاصها النوعي أو الموضوعي المقرّر نظاماً، وتدخل في اختصاص دائرة أخرى ضمن ذات المحكمة، فإن النظام القضائي يضع خارطة طريق دقيقة لتنظيم هذا الانتقال، بعيداً عن التعقيدات التي قد تنشأ عند التنازع بين محكمتين مختلفتين.


1. القيد الإجرائي: منع صدور "حكم" بعدم الاختصاص

من الناحية القانونية الصرفة، يفرق النظام بين التنازع (المحلي) بين محكمتين بمدينتين مختلفتين، وبين التنازع (الداخلي) بين دوائر المحكمة الواحدة. في الحالة الأخيرة، يُمنع على الدائرة إبداء قرارها في صورة "حكم قضائي"؛ وذلك لأن المحكمة تُعتبر وحدة واحدة لا تتجزأ. فإذا حكمت الدائرة بعدم الاختصاص، فإنها تفتح باب الطعن بالاستئناف على قرار إجرائي، مما يؤدي إلى إطالة أمد التقاضي. لذا، يقتصر دور الدائرة على اتخاذ "قرار إحالة إداري" معلل.


2. آلية الإحالة وتطلب "التسبيب القضائي":

لا تتم الإحالة بشكل ودي أو شفوي، بل تتطلب مساراً توثيقياً يضمن عدم ضياع حقوق الخصوم:

  • تكييف الدعوى: يجب على الدائرة الأولى أن تقوم بتكييف الدعوى قانوناً وشرح طبيعتها التي جعلتها تخرج من اختصاصها.

  • الخطاب المسبب: ترفع الدائرة خطاباً لرئيس المحكمة يتضمن الأسانيد (مثل الاستناد إلى مواد في نظام المرافعات أو قرارات مجلس القضاء الأعلى) التي تثبت أن القضية تقع ضمن صلاحيات "الدائرة النوعية" الأخرى.

  • دور رئيس المحكمة كمنظم: يعمل رئيس المحكمة هنا بصفته "رئيساً إدارياً" للدوائر، حيث يتأكد من اكتمال مسوغات الإحالة قبل توجيهها للدائرة المختصة.


3. حالة التدافع السلبي (رفض الدائرة المحال إليها):

قد يحدث ما يسمى بـ "التدافع السلبي"، وهو أن ترى الدائرة الثانية (المحال إليها) أنها أيضاً غير مختصة بالنظر، أو أن الدائرة الأولى أخطأت في فهم وقائع الدعوى. في هذه الحالة:

  • منع إعادة القضية مباشرة: لا يجوز للدائرة الثانية أن تعيد المعاملة للدائرة الأولى مباشرة، لأن ذلك قد يدخل القضية في حلقة مفرغة من الإحالات المتبادلة.

  • الرفع للفصل النهائي: يُرفع النزاع لرئيس المحكمة مجدداً بصفته المرجع الحسم.


4. القرار النهائي وحسم النزاع:

عندما يصل النزاع لرئيس المحكمة في مرحلته الثانية، فإنه يصدر قراراً بتحديد الدائرة التي "يجب" عليها نظر الدعوى:

  • الصفة القطعية: يكون قرار رئيس المحكمة في هذا الصدد نهائياً ونافذاً على الفور.

  • الهدف النظامي: يهدف هذا الإجراء إلى الحفاظ على وقت المتقاضين، ومنع استهلاك جهد الدوائر في مراسلات إدارية مطولة، وضمان البدء في مناقشة موضوع الدعوى بدلاً من الانشغال بالإجراءات الشكلية.


5. الآثار المترتبة على الإحالة:

بمجرد استقرار القضية لدى الدائرة المحال إليها بقرار من رئيس المحكمة، تلتزم هذه الدائرة بمتابعة السير في الدعوى من حيث انتهت الإجراءات السابقة (إذا رأت ذلك)، أو البدء فيها بما يحقق العدالة، مع مراعاة كافة المدد والنظم المتبعة في نظر القضايا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال