تأصيل شرط المصلحة كركيزة أساسية لقبول الدعوى القضائية:
تُعد "المصلحة" المحرك الأول والأساس الذي تقوم عليه الخصومة القضائية؛ إذ استقر العرف القضائي والأنظمة القانونية على قاعدة ذهبية تنص على أنه "لا دعوى بلا مصلحة". والمصلحة في سياق القضاء ليست مجرد رغبة شخصية، بل هي حاجة قانونية معتبرة يقرها النظام.
أولاً: المفهوم الدقيق للمصلحة القانونية
المصلحة هي الفائدة أو المنفعة (المادية أو المعنوية) التي يسعى المدعي للحصول عليها من خلال لجوئه إلى القضاء. وهي تتحقق عندما يكون المدعي في مركز قانوني تعرض للاعتداء أو التهديد، بحيث يكون صدور الحكم القضائي هو الوسيلة الوحيدة والضرورية لجلب نفع مشروع له أو لدرء ضرر واقع به أو وشيك الوقوع.
ثانياً: الضوابط والسمات الجوهرية للمصلحة المعتبرة
لكي تُقبل الدعوى، يجب أن تتصف المصلحة بعدة خصائص أساسية تفصل بين المطالبات الجادة والمطالبات العبثية:
- أن تكون المصلحة قانونية ومشروعة: يجب أن تستند المصلحة إلى حق أو مركز يحميه النظام. فلا تُقبل مصلحة تهدف إلى تحقيق غرض مخالف للنظام العام أو الآداب، أو مصلحة ناتجة عن عمل غير مشروع.
- أن تكون المصلحة قائمة وحالة: الأصل أن تكون المصلحة موجودة وقت رفع الدعوى، أي أن يكون الحق قد تم الاعتداء عليه بالفعل. ومع ذلك، أجاز النظام في حالات استثنائية (الدعاوى الوقائية) قبول المصلحة المحتملة إذا كان الغرض منها التحوط لضرر محدق أو تثبيت دليل قد يضيع.
- أن تكون المصلحة شخصية ومباشرة: يجب أن تعود الفائدة من الحكم على المدعي نفسه أو من يمثله قانوناً، بحيث يكون هو الطرف المتأثر مباشرة بمآل الحكم صعوداً أو هبوطاً.
ثالثاً: معيار "الأثر الواقعي" للحكم القضائي
يعد الأثر الواقعي هو الاختبار الحقيقي لوجود المصلحة؛ فإذا تبين للمحكمة أن الحكم في الدعوى –سواء بالقبول أو الرفض– لن يغير من الواقع شيئاً، ولن يضيف للمدعي جديداً، ولن يدفع عنه سوءاً، فإن الدعوى تصبح حينئذٍ "دعوى نظرية أو أكاديمية".
- مثال: المطالبة بفسخ عقد انتهت مدته فعلياً وتمت تصفية آثاره بالكامل، هنا لا يحقق الحكم بفسخه أي مصلحة واقعية للمدعي.
رابعاً: الجزاء القانوني عند انتفاء المصلحة
إذا خلت الدعوى من شرط المصلحة، فإنها تفقد أحد أهم شروط قبولها الشكلية، ويترتب على ذلك ما يلي:
- الحكم بعدم القبول: للمحكمة من تلقاء نفسها، أو بناءً على دفع من الخصم، أن تقضي بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة.
- إبطال الخصومة: غياب المصلحة يجعل من الاستمرار في نظر الدعوى هدراً لوقت القضاء وجهد الأطراف، لذا يعرضها للإبطال أو الرفض دون الخوض في تفاصيلها الموضوعية.
خامساً: الحكمة من اشتراط المصلحة
تكمن الغاية من هذا الشرط في حماية مرفق القضاء من "الدعاوى الكيدية" أو "دعاوى الفضول" التي لا طائل من ورائها، وضمان حصر النشاط القضائي في حل النزاعات الحقيقية التي تمس مصالح الناس وحقوقهم الفعلية، مما يساهم في سرعة الإنجاز وتحقيق العدالة الناجزة.