نطاق اختصاص المحكمة الجزائية في الفصل في الدعاوى الجنائية والمطالبات بالحق الخاص المرتبطة بها: بين إيقاع العقوبة الجزائية والفصل في الحقوق التبعية للمتضررين

بم تختص المحكمة الجزائية؟

تُمثل المحكمة الجزائية الركيزة الأساسية لحماية النظام العام وصيانة حقوق الأفراد، حيث تستمد سلطتها من ولاية قضائية شاملة تُخولها الفصل في كافة الجرائم والمخالفات، مع بسط نفوذها القضائي ليشمل الحقوق الخاصة المرتبطة بتلك الجرائم لضمان تحقيق العدالة الناجزة.


اختصاصات المحكمة الجزائية: رؤية تفصيلية

تتمتع المحكمة الجزائية بولاية قضائية واسعة تهدف إلى الفصل في المنازعات الناشئة عن الأفعال التي يُجرمها القانون، ويمكن تقسيم اختصاصاتها إلى شقين رئيسيين:

أولاً: الاختصاص الأصيل (الدعاوى الجزائية العامّة)

تختص المحكمة الجزائية بالفصل في جميع القضايا الجزائية دون استثناء، طالما لم ينص النظام على منح هذا الاختصاص لجهة أخرى. ويشمل ذلك:

  • الجرائم الكبرى: مثل قضايا القتل، الحدود، والقصاص.
  • الجرائم التعزيرية: وهي الأفعال التي لم يحدد الشرع لها عقوبة مقدرة وتُرك تقديرها للقاضي، مثل النصب والاحتيال، التزوير، والسرقات التي لا تتوفر فيها شروط الحد.
  • القضايا المتعلقة بالأمن العام: وتشمل الجرائم التي تستهدف استقرار الدولة أو السكينة العامة.


ثانياً: اختصاص التبعية (الحقوق الخاصة والمدنية)

من منطلق تيسير إجراءات التقاضي ومنع تضارب الأحكام، مُنحت المحكمة الجزائية صلاحية النظر في الحقوق الخاصة المتفرعة عن القضية الجزائية. ويتم ذلك وفق الضوابط التالية:

  • الارتباط الوثيق: يحق للمتضرر من الجريمة المطالبة بحقه الخاص (مثل التعويض المالي أو رد المسروقات) أمام نفس القاضي الذي ينظر في الحق العام.
  • وحدة المسار القضائي: يُشترط لنظر الحق الخاص أن تكون الدعوى الجزائية لا تزال منظورة أمام المحكمة؛ أي أنها تحت التداول ولم يصدر فيها حكم نهائي بعد.
  • الكفاءة الإجرائية: بمجرد صدور حكم نهائي في الشق الجزائي وانقضاء الدعوى، يرتفع اختصاص المحكمة الجزائية عن الحق الخاص، ويصبح على المدعي التوجه للمحاكم المدنية (العامة) للمطالبة بحقوقه.


ثالثاً: الضوابط العامة للاختصاص

رغم سعة اختصاص المحكمة الجزائية، إلا أنها تتقيد بحدود نظامية واضحة:

  • احترام اختصاص المحاكم الأخرى: لا تنظر المحكمة الجزائية في القضايا التي تقع صلب اختصاص المحاكم التجارية أو العمالية أو الأحوال الشخصية، إلا إذا تضمنت تلك القضايا شقاً جرمياً مستقلاً.
  • شمولية النظر: يمتد اختصاصها ليشمل جميع المتهمين في الواقعة الواحدة، لضمان وحدة التحقيق والمحاكمة.

ملاحظة: تكمن أهمية دمج الحق الخاص مع العام في المحكمة الجزائية في توفير الوقت والجهد على أطراف النزاع، وضمان فهم القاضي لكافة تفاصيل وملابسات الجريمة وتأثيرها المباشر على المجني عليه.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال