النظام القانوني للدفوع القضائية: التمييز بين الدفوع الجوهرية المتصلة بولاية المحكمة والدفوع الشكلية المرتبطة بحق الخصوم

الدفوع القضائية: ماهيتها، أنواعها، والفوارق الجوهرية بينها

تُعد الدفوع الوسيلة القانونية التي يتذرع بها الخصم لرد دعوى خصمه أو تأخير الفصل فيها. وتنقسم من حيث قوتها وأثرها وتوقيت إثارتها إلى نوعين رئيسيين: الدفوع المطلقة والدفوع المؤقتة.


أولاً: الدفوع المطلقة (المتعلقة بالنظام العام)

وهي الدفوع التي تهدف إلى حماية المصلحة العامة وانتظام سير العدالة، ولا تقتصر مصلحتها على الخصوم فقط، ولذلك منحتها الأنظمة القضائية قوة استثنائية.

  • حق الإثارة: يحق للخصم التمسك بها في أي وقت، سواء في بداية الدعوى، أو أثناء سيرها، وحتى أمام محكمة الاستئناف (أو النقض في حالات معينة).
  • دور المحكمة: نظراً لتعلقها بالنظام العام، يجب على المحكمة أن تتصدى لها وتثيرها من تلقاء نفسها بمجرد علمها بها، حتى لو لم يطلب الخصوم ذلك.
  • أمثلة تطبيقية:
  1. الدفع بانتفاء ولاية المحكمة: كأن تُرفع دعوى تجارية أمام محكمة الأحوال الشخصية.
  2. الدفع بعدم الاختصاص النوعي: حين تنظر محكمة قضيةً ليست من اختصاصها الوظيفي.
  3. الدفع بسبق الفصل في الدعوى: إذا كان النزاع قد صدر فيه حكم نهائي حائز لحجية الأمر المقضي به، فلا يجوز إعادة نظره منعاً لتضارب الأحكام.

ثانياً: الدفوع المؤقتة (المقررة لمصلحة الخصوم)

تُعرف أيضاً بالدفوع الشكلية أو النسبية، وهي مقررة لحماية حق خاص بأحد أطراف النزاع، ولذا فإن المشرع وضع لها قيوداً زمنية وإجرائية صارمة.

  • حق الإثارة: هذا الحق محصور بالخصم صاحب المصلحة فقط، ولا تملك المحكمة التدخل لإثارته.
  • القيد الزمني (سقوط الحق): يجب إبداء هذه الدفوع في أول جلسة يتم التبلغ بها، وقبل الدخول في صلب الموضوع (أي قبل تقديم الدفوع الموضوعية). فإذا شرع الخصم في مناقشة موضوع القضية دون التمسك بالدفع المؤقت، سقط حقه فيه واعتبر ذلك قبولاً ضمنياً بصحة الإجراء.
  • أمثلة تطبيقية:
  1. الدفع بعدم الاختصاص المكاني: كأن تُرفع الدعوى في مدينة غير مدينة المدعى عليه (خلافاً للقاعدة الأصلية)، فإذا لم يعترض المدعى عليه فوراً، يستمر النظر في القضية.
  2. الدفع بوجود نزاع مرتبط: حين يكون هناك قضية أخرى قائمة أمام محكمة أخرى مرتبطة بالنزاع الحالي، ويخشى من تضارب الأحكام، فيطلب الخصم ضم القضيتين أو وقف إحداهما.

الفروق الجوهرية بين الدفوع المطلقة والمؤقتة

يمكن تلخيص الفوارق في النقاط الجوهرية التالية:

  1. من حيث الصفة: الدفوع المطلقة تتعلق بكيان النظام القضائي (النظام العام)، بينما الدفوع المؤقتة تتعلق بالمصالح الإجرائية الخاصة للخصوم.
  2. من حيث توقيت الإبداء: الدفوع المطلقة "مفتوحة" طوال أمد التقاضي، أما الدفوع المؤقتة فهي "مقيدة" ببداية الخصومة وقبل الخوض في الموضوع.
  3. من حيث تدخل القاضي: القاضي شريك في إثارة الدفع المطلق، بينما هو مراقب فقط في الدفع المؤقت، لا يقضي به إلا بناءً على طلب صاحب المصلحة.
  4. من حيث سقوط الحق: لا يسقط الحق في الدفع المطلق بالتنازل أو التأخير، بينما يسقط الحق في الدفع المؤقت بمجرد الحديث في موضوع الدعوى (مثل مناقشة وقائع العقد أو الالتزام).

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال