من الإقرار المشروط إلى التقييد السيادي: تطور النظام القانوني لتملك العقارات في المغرب للأجانب، وأثر عقد الجزيرة الخضراء وظهير 1975 في رسم الحدود

تطور حق تملك الأجانب للعقارات في المغرب: بين الاعتراف والتقييد

يمثل حق تملك الأجانب للعقارات في المغرب مسألة قانونية ذات أبعاد تاريخية وسياسية، وقد مر هذا الحق بمراحل عديدة من الاعتراف والتقييد، وصولاً إلى وضعه الحالي الذي يفرق بين أنواع العقارات ومواقعها.


1. الإطار التعاقدي الأولي: اتفاقية مدريد لعام 1880

يعود أقدم اعتراف دولي رسمي بحق الأجانب في تملك العقارات بالمغرب إلى اتفاقية مدريد المبرمة بتاريخ 30 يوليوز 1880. هذه الاتفاقية أرست المبدأ العام لهذا الحق لكنها قيدته بشروط محددة:

  • الاعتراف بالملكية المشروط: نص الفصل الحادي عشر (11) من الاتفاقية صراحة على الاعتراف بحق الملكية لجميع الأجانب داخل المغرب.
  • شرط الموافقة الحكومية المسبقة: بالرغم من الاعتراف، اشترط الفصل 11 على أن يكون شراء الأملاك خاضعًا لموافقة سابقة من الحكومة المغربية. هذا الشرط شكل حجر الزاوية في سلطة الدولة على تنظيم هذا الحق.
  • الخضوع للقواعد الشكلية المحلية: أكدت الاتفاقية على أن سندات الملكية تخضع للقواعد الشكلية التي تنص عليها القوانين المغربية، مما يعني تطبيق التشريعات المحلية على إجراءات التسجيل والتوثيق.
  • النزاعات والاختصاص القضائي: فيما يخص النزاعات التي قد تنشأ بسبب هذا الحق، نصت الاتفاقية على أن يتم البت فيها بمقتضى القوانين المحلية (في تلك الفترة، كانت قواعد الفقه الإسلامي هي المطبقة بشكل أساسي)، ويقوم القاضي المغربي بالفصل فيها.
  • إمكانية الاستئناف أمام وزير الشؤون الخارجية: في سابقة فريدة، منحت الاتفاقية إمكانية الاستئناف في الأحكام القضائية الصادرة بشأن نزاعات التملك أمام وزير الشؤون الخارجية المغربي، مما يوحي بصبغة دبلوماسية للبت النهائي في هذه القضايا.


2. التضييق ومحاولات التفعيل: عقد الجزيرة الخضراء لعام 1906

على الرغم من النص الصريح في اتفاقية مدريد، لوحظ أن الحكومة المغربية كانت تمارس تضييقًا في التطبيق العملي، حيث كانت ترفض في كثير من الأحيان منح التراخيص اللازمة للأجانب. لمعالجة هذا القصور في التنفيذ، تدخل عقد الجزيرة الخضراء لسنة 1906.

  • تأكيد الحق ومنع الرفض غير المبرر: جاءت المادة 60 من هذا العقد لتؤكد مجددًا على الحق المعترف به للأجانب بموجب المادة 11 من اتفاقية مدريد. والأهم من ذلك، ألزمت المادة جلالة السلطان بإعطاء التعليمات اللازمة لجميع السلطات الإدارية والقضائية حتى لا ترفض الموافقة على التملك دون سبب مشروع. هذا النص سعى إلى تقييد سلطة الرفض التعسفية للإدارة وتشجيع تطبيق الحق.

3. مرحلة الحماية وتأكيد الاختصاص الإداري (1914)

مع بداية فترة الحماية، صدر منشور الصدر الأعظم بتاريخ 7 يوليوز 1914. هذا المنشور عمل على دمج النصوص الدولية في الإطار الإداري الداخلي:

  • تأكيد المرجعية القانونية: أكد المنشور على الحق المعترف به للأجانب استناداً إلى الفصل 11 من اتفاقية مدريد والفصل 60 من عقد الجزيرة الخضراء.
  • تحديد السلطات المختصة بالتراخيص: الأهم في هذا المنشور هو تحديده للسلطات الإدارية التي تتولى مهمة منح التراخيص المطلوبة. فقد أوكل اختصاص منح هذه الرخص إلى الباشوات في المدن وإلى القواد في البوادي (المناطق القروية).

4. حقبة الاستقلال وتغليب المصلحة الوطنية: تقييد تملك الأراضي الفلاحية

شكلت مرحلة ما بعد الاستقلال نقطة تحول حاسمة في تنظيم تملك الأجانب، خاصة فيما يتعلق بالأراضي ذات الأهمية الاقتصادية والسيادية.

أ. ظهير 17 نونبر 1959:

صدر هذا الظهير ليضع قاعدة عامة جديدة للتقييد، إذ نص على أن:

  • وجوب الإذن الإداري: تتوقف على إذن إداري جميع الاقتناءات العقارية، سواء كانت بعوض أو بدونه، والتي يبرمها غير المغاربة.
  • نطاق التقييد: شمل هذا التقييد على وجه الخصوص الأملاك الفلاحية أو القابلة للفلاحة، مع الإبقاء على إمكانية التملك بعد الحصول على الترخيص.

ب. ظهير 26 شتنبر 1963 (استرجاع أراضي الاستعمار):

في سياق استرجاع الدولة المغربية لأراضي الاستعمار الرسمي، جاء هذا الظهير ليشدد الرقابة على التصرفات العقارية في الأراضي الفلاحية:

  • العمليات الخاضعة للرخصة: اشترط الحصول على رخصة إدارية لإجراء العمليات العقارية مثل البيع أو الكراء لمدة تزيد على ثلاث سنوات.
  • نطاق التطبيق المكاني والنوعي: طبق هذا الشرط على الأملاك الفلاحية أو المعدة للفلاحة الواقعة خارج الدوائر الحضرية.
  • الأطراف المعنية: اشترطت الرخصة إذا كان الطرف أو الطرفان المعنيان شخصًا أو شخصين ذاتيين أجنبيين أو شخصين معنويين.

في هذه المرحلة، وعلى الرغم من القيود، كان لا يزال متاحًا للأجانب تملك الأراضي الفلاحية أو المعدة للفلاحة خارج الدوائر الحضرية شرط الحصول على ترخيص إداري مسبق.


5. المنع التام لتملك الأراضي الفلاحية خارج المدن (1975):

جاء ظهير 23 أبريل 1975 ليضع حدًا نهائيًا لإمكانية تملك الأجانب للأراضي الفلاحية، محولًا الإجراء من تقييد إلى منع مطلق:

  • المنع القاطع: أصبح ممنوعًا على الأجانب تملك العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة الموجودة خارج الدوائر الحضرية. هذا المنع يعكس إرادة الدولة في حماية الرصيد العقاري الفلاحي الوطني وضمان السيادة على الأراضي الزراعية.
  • ما يمكن تملكه: بعد هذا الظهير، حُصر حق تملك الأجانب في نوعين من العقارات:
  1. العقارات غير الفلاحية: أينما وجدت (داخل أو خارج الدوائر الحضرية).
  2. العقارات الفلاحية (أو القابلة للفلاحة): إذا كانت موجودة داخل الدوائر الحضرية (التي تحولت بحكم الأمر الواقع إلى عقارات حضرية أو قابلة للتعمير).

بذلك، انتهى المسار القانوني بتكريس الفصل المطلق بين تملك الأجانب للعقارات الحضرية وغير الفلاحية (مع إمكانية التملك) وبين تملكهم للعقارات الفلاحية خارج المدن (المنع التام).

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال