حملة العلم إلى عُمان: الدور المحوري لبعثات البصرة في تأسيس الإمامة الإباضية الأولى ونشر الفكر الديني والسياسي في القرن الثاني الهجري

حملة العلم إلى عُمان: النواة التأسيسية للفكر والإمامة

تُعتبر حركة "حملة العلم" من أهم الحركات الفكرية والدعوية في التاريخ العُماني المبكر، وتمثل الجسر الذي عبر منه المذهب الإباضي وتأصل في عُمان، ليصبح الأساس الذي بُنيت عليه الدولة والأئمة المتعاقبون.


مركز الإشعاع: مدرسة البصرة السرية

نشأت هذه الحركة في فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي، وتحديداً في النصف الأول من القرن الثاني الهجري (القرن الثامن الميلادي). كان مركز الانطلاق هو مدينة البصرة في العراق، التي كانت حينها مركزاً علمياً مهماً.

  • الإمام المُعلِّم: كان الرائد الروحي والفكري لهذه المدرسة هو الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، الذي تولى إمامة الإباضية في البصرة بعد الإمام جابر بن زيد.
  • الطابع السري: عمل الإمام أبو عبيدة وتلاميذه في سرية تامة، خاصة في فترة حكم الأمويين والعباسيين، اللذين كانا يضطهدان الحركات المعارضة. تشير المصادر إلى أن المدرسة كانت تُدار في سرداب أو في أماكن غير لافتة، وكان الطلاب يتظاهرون بأعمال يدوية مثل صناعة القفاف للتمويه.
  • الهدف: لم يكن هدف مدرسة أبي عبيدة مجرد تحصيل العلم الديني (الفقه والعقيدة)، بل كان يهدف إلى تكوين قيادات فكرية وسياسية قادرة على العودة إلى بلدانها لنشر الدعوة وإقامة نظام الحكم القائم على العدل والحق والاستقامة.


حملة العلم العُمانيون: رواد العودة

وفدت إلى مدرسة أبي عبيدة وفود طلابية من مناطق مختلفة، وكانت عُمان من أبرز الأماكن التي أرسلت طالبي العلم. تشير المصادر إلى أسماء بارزة من عُمان عُرفت بـ"حملة العلم"، ومن أشهرهم:

  • أبو المنذر بشير بن المنذر النزوي.
  • المنير بن النيّر الجعلاني.
  • موسى بن أبي جابر الإزكوي.
  • محمد بن المعلى الكندي.
  • محبوب بن الرحيل الصحاري (أبو سفيان).

هؤلاء التلاميذ تخرجوا من مدرسة البصرة مشبعين بأصول الفقه الإباضي ومبادئ السياسة الشرعية.


الدور المحوري في عُمان: التأسيس للإمامة

بعد تخرجهم، عاد حملة العلم إلى عُمان حاملين معهم رسالة مزدوجة: الدعوة الدينية والتهيئة السياسية.

  1. نشر الفكر: قاموا بنشر العلم الذي تلقوه، وتثبيت أركان المذهب الإباضي بين القبائل العُمانية، مما أدى إلى توحيد الوعي الديني والسياسي.
  2. إقامة الإمامة: كان الهدف الأسمى هو إقامة الإمامة، حيث كان الإمام أبو عبيدة يرى أن عُمان مؤهلة لذلك. ونجحت جهودهم في النهاية بتتويج الجلندى بن مسعود كأول إمام للإباضية في عُمان عام 134هـ (751م)، ليبدأ بذلك عصر الإمامة الإباضية الأولى في البلاد.
  3. العوائق الطبيعية: واجه حملة العلم صعوبات وتحديات كبيرة، ليس فقط من الحكم العباسي الذي كان يرسل الجيوش للقضاء على الإمامة، بل أيضاً من الصراعات الداخلية واختلاف الكلمة.

الأثر الدائم: عُمان مركزاً عالمياً

لم يقتصر دور حملة العلم على النطاق المحلي، بل كان له أثر عالمي في امتداد الدعوة الإباضية.

  • التبادل المعرفي: مهدت هذه البعثات الطريق لتبادل علمي وثقافي مستمر بين عُمان والبصرة، ثم نزوى بعد أن أصبحت "بيضة الإسلام" ومركزاً علمياً هاماً.
  • التأثير في المغرب: لم يكن العُمانيون وحدهم من حملة العلم؛ فقد تخرج معهم طلاب من المغرب واليمن، ومنهم عبد الرحمن بن رستم الذي أسس الدولة الرستمية في بلاد المغرب، مما يدل على أن عُمان كانت جزءاً من حركة دولية لنشر الدعوة الإباضية.
  • تكوين المذهب: أصبح ما نقله هؤلاء العلماء اللبنة الأساسية التي بُنيت عليها مؤلفات ومصنفات الفقه العُماني على مر العصور.

يظل مصطلح "حملة العلم" رمزاً لالتزام العُمانيين المبكر بالمعرفة ودورها المحوري في صياغة هويتهم الدينية والسياسية المستقلة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال