الجبال الالتوائية الحديثة في أفريقيا: شهادة على الحركات التكتونية الطرفية
تعد القارة الأفريقية، التي يهيمن عليها الدرع القاري القديم، استثناءً للقاعدة في منطقتين طرفيتين، حيث تظهر فيهما سلاسل جبلية التوائية حديثة نسبياً. هذه الجبال هي نتاج مباشر لقوى الضغط الهائلة التي حدثت خلال العصور الجيولوجية الحديثة (الحركات الألبية)، وتلعب دوراً حاسماً في تشكيل المناخ والتوزيع السكاني في القارة.
1. نطاق جبال الأطلس: العملاق الشمالي الغربي
يقع نطاق جبال الأطلس في أقصى الشمال الغربي للقارة، وهو نتاج للتصادم الجيولوجي المستمر بين الصفيحة الأفريقية والصفيحة الأوروآسيوية. هذه الحركة التكتونية هي التي أدت إلى ارتفاع هذه السلاسل في عملية التواء معقدة.
الامتداد الجغرافي والأقسام الرئيسية:
تمتد جبال الأطلس عبر أكثر من 2000 كيلومتر، مخترقة المغرب والجزائر وتونس. ويمكن تقسيم هذا النظام إلى مجموعتين متوازيتين تفصل بينهما سهول وهضاب داخلية واسعة:
أطلس التل (Tell Atlas):
- التكوين والتأثير المناخي: هي السلسلة الأقرب للبحر المتوسط (أحياناً تُعرف بـأطلس البحرية)، وهي بذلك تمثل خط الجبهة الأول لاستقبال الرطوبة. تعمل هذه الجبال على حجز الرياح الرطبة القادمة من المتوسط، مما يجعل سفوحها الشمالية مناطق ذات أمطار غزيرة نسبياً، وتدعم الزراعة الكثيفة والحياة النباتية الغنية.
- الأهمية: تستوعب هذه المنطقة معظم التجمعات السكانية الكبرى في المغرب العربي.
أطلس الصحراء (Saharan Atlas):
- التكوين والتأثير المناخي: تقع إلى الجنوب، وتشكل الحد الطبيعي بين المناطق شبه الرطبة والشريط الصحراوي الجاف. تعمل كـحاجز مناخي ثانٍ يمنع وصول ما تبقى من الرطوبة إلى العمق الصحراوي، مما يؤكد جفاف المناطق الجنوبية.
- الأهمية: تضم قممًا عالية، لكنها أكثر عزلة وأقل كثافة سكانية بسبب الجفاف السائد.
2. نطاق جبال الجنوب: الكاب ودراكنزبرج
في الطرف المقابل للقارة، توجد مجموعتان من السلاسل الجبلية التي تُشكلان التضاريس الحديثة في جنوب أفريقيا، وإن كانتا تختلفان في طبيعة التكوين النهائي:
جبال الكاب (Cape Fold Belt):
- التكوين الجيولوجي: هي مثال كلاسيكي على الجبال الالتوائية التي تشكلت نتيجة لانثناء طبقات رسوبية صلبة خلال الحقبة الباليوزوية المتأخرة والعهد الميزوزوي المبكر. وهي نتاج مباشر لقوى الضغط الجيولوجي القديمة، لكنها تصنف ضمن المنظومة الحديثة نسبياً مقارنة بقلب القارة الأفريقية.
- الأهمية البيئية: تؤثر هذه الجبال على مناخ جنوب غرب أفريقيا، وتضم بيئات طبيعية فريدة تُعرف باسم مملكة الكاب النباتية، والتي تعد واحدة من أغنى المناطق بالتنوع البيولوجي في العالم.
جبال دراكنزبرج (Drakensberg Mountains):
- التكوين المتباين: على الرغم من أنها تُصنف جغرافياً كجبال في جنوب أفريقيا، إلا أن تركيبها الجيولوجي أكثر تعقيداً من مجرد الالتواء. فهي تجمع بين قاعدة التوائية قديمة وطبقات من الحمم البازلتية الهائلة التي اندفعت في العصور اللاحقة.
- الشكل المميز: المظهر الحالي لها، خاصة قممها المسطحة والجروف الصخرية الحادة، هو نتاج عمليات تآكل ونحت على مدى ملايين السنين لهذه الطبقات البركانية الصلبة، مما جعلها تبدو كـ"جبال طاولة".
- الأهمية الجغرافية: تُعد أعلى سلسلة في جنوب أفريقيا وتعمل كـمستودع للمياه، حيث تنبع منها أنهار رئيسية تغذي المنطقة وتلعب دوراً حيوياً في توزيع المياه العذبة.
الخلاصة: التباين والوظيفة
الجبال الالتوائية الحديثة في أفريقيا هي في الأساس ظواهر طرفية، تعكس تفاعلات القارة مع الصفائح المجاورة لها (أوروبا وآسيا في الشمال، والمحيطات في الجنوب). ففي حين تُشكل جبال الأطلس حاجباً مناخياً يحدد العلاقة بين البحر والصحراء، فإن جبال الجنوب (الكاب ودراكنزبرج) تعمل كحاجز طوبوغرافي ومستودع للموارد المائية، مما يؤكد دور هذه الالتواءات الحديثة كعناصر حيوية في جغرافيا القارة الأفريقية ومناخها.