مفهوم مسؤولية مراجع الحسابات:
تنشأ مسؤولية المراجع بمجرد قبوله التكليف بالتدقيق، وهي تتنوع ما بين مسؤولية مدنية (تعويض الأضرار)، وجنائية (في حال القصد الجرمي)، وتأديبية (أمام النقابة أو الهيئة المنظمة). لكن الجوهر يكمن في أن المراجع مسؤول عن تقديم "تأكيد معقول" وليس "تأكيداً مطلقاً" بأن القوائم المالية خالية من التحريفات الجوهرية.
الحدود المهنية (نطاق العمل):
- بذل العناية المهنية الواجبة: المراجع ملزم ببذل الجهد الذي يبذله المراجع المعتاد والمجتهد في مثل ظروفه. إذا قام المراجع باتباع معايير المراجعة الدولية (ISA) والتزم بخطة التدقيق، فإن حد مسؤوليته يقف عند هذا الحد، ولا يُسأل عن الأخطاء التي قد تظل مختفية رغم الفحص الدقيق.
- نظام الرقابة الداخلية: تقع المسؤولية الأولى عن تصميم وتنفيذ ورقابة الأنظمة الداخلية على عاتق الإدارة. حدود المراجع تنحصر في "تقييم" هذه الأنظمة لتحديد حجم العينات، وليس "إصلاحها" أو تحمل فشلها.
- اكتشاف الغش والتدليس: هناك فرق جوهري بين "الخطأ" و"الغش". حدود مسؤولية المراجع في اكتشاف الغش أصعب، لأن الغش عادة ما يتضمن تواطؤاً أو تزويراً متقناً لإخفاء الحقائق. المراجع مسؤول فقط إذا كان الغش واضحاً وكان من الممكن اكتشافه عبر إجراءات المراجعة المعتادة.
الحدود القانونية والمدنية:
تتحدد مسؤولية المراجع قانونياً بناءً على ثلاثة أركان: الخطأ، الضرر، وعلاقة السببية.
- المسؤولية تجاه العميل (الشركة): تتحدد ببنود العقد (خطاب الارتباط). يكون المراجع مسؤولاً أمام الشركة إذا قصر في أداء واجباته مما أدى لخسارة مادية للشركة.
- المسؤولية تجاه الطرف الثالث: هذا هو الجانب الأكثر تعقيداً. يقصد بالطرف الثالث المستثمرين، البنوك، والمقرضين. في معظم الأنظمة القانونية، لا يُسأل المراجع تجاه "الجمهور العام"، بل تجاه الأطراف التي كان يعلم يقيناً أنها ستعتمد على تقريره لاتخاذ قرار استثماري محدد.
- مبدأ المسؤولية النسبية: بدلاً من إلقاء كامل اللوم على المراجع عند انهيار شركة ما، بدأت العديد من القوانين تتبنى "المسؤولية النسبية"، حيث يتحمل المراجع جزءاً من التعويض يعادل نسبة خطئه فقط، بينما تتحمل الإدارة الجزء الأكبر.
القيود والمحددات التي تضيق نطاق المسؤولية:
هناك عوامل موضوعية تحد من قدرة المراجع، وبالتالي تحد من مسؤوليته القانونية، وهي:
- استخدام العينات: من المستحيل عملياً فحص كل فاتورة أو عملية، لذا فإن الاعتماد على العينات الإحصائية يعني وجود "مخاطر مراجعة" مقبولة لا يُحاسب عليها المراجع.
- الاعتماد على تقديرات الإدارة: تعتمد المحاسبة على تقديرات (مثل مخصصات الديون المشكوك فيها). مسؤولية المراجع هي التحقق من "معقولية" التقدير وليس التنبؤ بالمستقبل بدقة 100%.
- القيود الزمنية والتكلفة: لا يمكن للمراجع البقاء داخل الشركة للأبد؛ فالمراجعة محكومة بجدول زمني لتقديم التقارير، مما يفرض حدوداً على عمق التقصي.
الحالات التي ترفع المسؤولية عن المراجع:
يُعفى مراجع الحسابات من المسؤولية في حالات محددة، منها:
- إذا كان التحريف ناتجاً عن إخفاء متعمد للمعلومات من قبل الإدارة العليا (التواطؤ).
- إذا قدم المراجع "تحفظات" واضحة في تقريره تحذر من وجود خلل معين.
- إذا ثبت أن الطرف المتضرر لم يعتمد فعلياً على تقرير المراجعة في اتخاذ قراره.
الخاتمة:
إن حدود مسؤولية مراجع الحسابات ترتكز على التوازن بين الواجب المهني (الأمانة والدقة) وبين الاستطاعة البشرية (المحدودية التقنية والزمنية). فالمراجع يضمن "سلامة الإجراءات" ولا يضمن "نجاح الشركة أو ربحيتها".