سيرة القائد هدي بن الضو: قائد أحمر في نهاية القرن التاسع عشر
شكلت فترة زعامة القائد هدي بن الضو فصلاً مهماً في تاريخ قبائل أحمر، وهي قبيلة عريقة ذات ثقل اجتماعي وجغرافي في المنطقة. لم تكن قيادته قصيرة الأجل، بل كانت مسيرة إدارية وسياسية متواصلة دامت قرابة اثنين وعشرين عاماً متتالياً، وهي مدة تؤكد استقراره في المنصب وثقة القبيلة به، وكذلك موافقة المخزن (السلطة المركزية) على استمراريته كأحد أعيان المنطقة الأقوياء.
دور القائد في نظام المخزن:
في نظام الحكم المغربي خلال القرن التاسع عشر، كان القائد (أو "القايد") يمثل حلقة الوصل الأساسية بين القبيلة والسلطان. القائد هدي بن الضو لم يكن مجرد زعيم قبلي، بل كان مسؤولاً رسمياً عن:
- جباية الضرائب: جمع الموارد المالية (كالزكاة والعشور) من القبيلة وإرسالها إلى المخزن.
- حفظ الأمن: فرض النظام وحل النزاعات الداخلية، وتأمين الطرق داخل نفوذه.
- التجنيد عند الحاجة: توفير المقاتلين (الحركات) لدعم حملات السلطان العسكرية.
نجاحه في البقاء قائداً لمدة تزيد عن عقدين يعكس مهارته في الموازنة بين متطلبات المخزن ومصالح القبيلة.
بيعة 1290 هـ: ترسيخ الشرعية والولاء
يُعدّ بعثه رسالة البيعة إلى السلطان مولاي الحسن الأول في عام 1290 هجرية (الموافق لـ 1873-1874 م) دليلاً قوياً على وعيه السياسي وحسه بالمسؤولية تجاه الدولة.
- الأهمية التوقيتية: جاءت هذه البيعة بالتزامن مع تولي السلطان مولاي الحسن الأول مقاليد الحكم. إن المبادرة بتقديم البيعة في بدايات العهد الجديد كانت خطوة ذكية لضمان اعتراف السلطان بنفوذه، والحصول على التثبيت الرسمي في منصب القيادة.
- المضمون السياسي: البيعة لم تكن مجرد تحية، بل كانت عهداً بالولاء والطاعة للسلطان كأمير للمؤمنين، والتزاماً بتنفيذ أوامر المخزن، مما يُرسخ سلطة الدولة في منطقة أحمر ويُسهم في استقرارها الداخلي.
قصبة ابن الضو: موقع استراتيجي ورمز للسلطة
تُشكل قصبة ابن الضو أبلغ تعبير مادي عن نفوذ القائد. فالموقع الاستراتيجي للقصبة على الطريق القريبة من مدينة الشماعية لم يكن محض صدفة. هذا الموقع كان يخدم عدة أغراض:
- التحكم في الطريق: القصبة تتيح للقائد السيطرة على حركة التجارة والمسافرين عبر الطريق الرئيسية، مما يزيد من هيبته وقدرته على فرض الأمن وربما تحصيل رسوم معينة.
- المركز الاقتصادي والإداري: كانت القصبة بمثابة عاصمة مصغرة لنفوذ القائد، حيث تُخزن فيها الحبوب والأسلحة وتُعقد فيها اجتماعات مجلس القبيلة وتُصدر القرارات.
- الهيبة والدفاع: البناء القوي والجدران العالية (وهي سمات القصبات) كانت ترمز إلى قوة القائد وقدرته على حماية أتباعه والدفاع عن ممتلكاته ضد أي هجوم أو تمرد محتمل.
وفاة القائد: نهاية حقبة
في عام 1880 ميلادية، انتهت حياة القائد هدي بن الضو، وبوفاته، أسدل الستار على فترة قيادية طويلة كان له فيها دور واضح في توجيه قبيلة أحمر سياسياً وعمرانياً. جاءت وفاته قبل حوالي عقدين من الزمن من بداية التدخل الأجنبي الفعلي في المغرب، مما يعني أنه عاش وغادر المشهد في عصر حكم المخزن التقليدي، تاركاً وراءه إرثاً يؤرخ لجهود قادة الأقاليم في بناء الدولة وتثبيت نفوذها.
