المواقع الأثرية حول مدينة الأبيض: تفاصيل ومعلومات إضافية
تزخر المناطق المحيطة بمدينة الأبيض بالعديد من المواقع الأثرية الغنية التي تحمل في طياتها قصصًا عن حضارات قديمة. تُقدم هذه المواقع لمحة عن تاريخ المنطقة العريق وتطور المجتمعات التي سكنتها عبر العصور. وفيما يلي، نستعرض بعضًا من أبرز هذه المواقع مع التوسع في المعلومات المتاحة عنها:
1. جبل الهشابة:
يُعد جبل الهشابة معلمًا طبيعيًا وأثريًا بارزًا يقع جنوب مدينة الأبيض. يتميز الجبل بتكوينه الصخري الفريد، حيث يتألف من صخور الجرانيت السوداء والحمراء، ويصل ارتفاعه إلى حوالي 16 مترًا، مما يجعله نقطة علام واضحة في المشهد الطبيعي.
على قمة الجبل من الجهة الشمالية، توجد أكوام حجرية دائرية صغيرة الحجم. يعتقد علماء الآثار أن هذه الأكوام قد تكون إشارات إلى مقابر تعود إلى فترة ما بعد مملكة مروي، وهي فترة زمنية تلت انهيار مملكة مروي القوية التي ازدهرت في شمال السودان. هذه الفترة لا تزال غامضة نسبيًا، مما يجعل أي اكتشاف يتعلق بها ذا أهمية كبيرة. ومع ذلك، لم يتم تأكيد هذا الأمر بشكل قاطع بعد، وتتوقف معرفة حقيقة هذه الأكوام على إجراء مسح أثري كامل للمنطقة، وتحديدًا على أعمال التنقيب التي يمكن أن تكشف عن محتويات هذه المقابر وطبيعة الدفن فيها.
2. الموقع الأثري أسفل جبل الهشابة:
يوجد أسفل جبل الهشابة، وتحديدًا في الجهة الشمالية منه، تل أثري كبير وممتد. عُثر في هذا الموقع على عدد من كسر الفخار التي تشير إلى أن الموقع كان مأهولًا في فترة تاريخية معينة. يُرجح أن هذه الكسر الفخارية تعود إلى فترة ما بعد مروي (Post-Meroitic)، وهي فترة انتقالية مهمة شهدت ظهور ممالك جديدة وظهور المسيحية في المنطقة. دراسة هذا الفخار يمكن أن تكشف عن طبيعة الحياة اليومية، وعادات الطهي، والروابط التجارية مع المناطق الأخرى.
يُعد هذا الموقع ذا أهمية كبيرة نظرًا لحجمه وامتداده، مما يؤكد ضرورة إجراء دراسات علمية وميدانية معمقة لتحديد طبيعته بدقة، والوصول إلى فهم أوسع للحضارة التي سكنته. فالموقع قد يكون بقايا قرية أو مستوطنة كاملة، ودراسته ستُقدم معلومات لا تقدر بثمن عن تاريخ المنطقة.
3. موقع المُلبس (El-Mulbas):
يُعد موقع المُلبس من أكبر المواقع الأثرية في المنطقة، حيث يمتد على مساحة تزيد عن 2 كيلومتر بين جبلي المُلبس. يوحي هذا الامتداد الواسع بأن الموقع كان مركزًا حضاريًا مهمًا، ربما كان قرية كبيرة أو حتى مدينة صغيرة.
تنتشر في الموقع قطع فخارية بكثرة، بالإضافة إلى العثور على أدوات حجرية. تشير هذه الأدوات إلى أن الموقع قد يكون مأهولًا منذ فترات العصر الحجري، وهو ما يدل على تاريخه العميق والقديم جدًا. كما تشير الأدلة الأثرية الموجودة إلى أن الموقع شهد استيطانًا خلال الفترة الإسلامية المبكرة (Early Islamic period)، مما يجعله موقعًا متعدد الفترات التاريخية. هذا التنوع في الفترات الزمنية يعني أن الموقع قد يكون قد استُخدم بشكل متقطع أو مستمر لآلاف السنين، مما يجعله كنزًا للمعلومات الأثرية.
4. إشارات المقابر في موقع المُلبس:
أسفل جبل المُلبس مباشرةً، توجد إشارات لبعض المقابر، والتي تتخذ اتجاهات مختلفة: بعضها يتجه من الشمال إلى الجنوب، وبعضها الآخر من الشرق إلى الغرب. يُعد هذا التنوع في اتجاهات الدفن أمرًا لافتًا للانتباه، وقد يُقدم معلومات قيمة حول العادات الجنائزية والثقافية للمجتمعات التي عاشت في الموقع. فالاختلاف في اتجاه الدفن قد يشير إلى فترات زمنية مختلفة، أو إلى مجموعات بشرية ذات معتقدات مختلفة، أو حتى إلى تغيرات في الممارسات الدينية بمرور الوقت.
تتطلب هذه المقابر إجراء عمليات تنقيب منظمة ودراسة تفصيلية لكشف محتوياتها وتحديد فترتها الزمنية بدقة، مما سيسهم في فهم أعمق للتاريخ الاجتماعي والديني للمنطقة. كما أن دراسة بقايا الهياكل العظمية التي قد توجد في هذه المقابر يمكن أن تكشف عن معلومات قيمة حول الصحة، والنظام الغذائي، والأمراض التي كانت شائعة في تلك الفترات.