مملكة تقلي: مركز الإشعاع الإسلامي في قلب جبال النوبة
يمثل تاريخ مملكة تقلي قصة تحول حضاري عميق، حيث انتقلت من كيان وثني تقليدي إلى مركز إسلامي متقدم في منطقة جبال النوبة بجنوب كردفان، بفضل جهد دعوي استثنائي ورعاية تعليمية مستدامة.
الفصل الأول: بدايات التأسيس ونقطة التحول الديني
نشأت مملكة تقلي ضمن التضاريس الصعبة لـ جبال النوبة في موقع استراتيجي بجنوب كردفان. كانت المملكة قبل القرن السادس عشر الميلادي تعتنق المعتقدات الوثنية التقليدية لأهل المنطقة، مما جعلها بيئة تحتاج إلى جهد تبشيري كبير.
الوصول التاريخي (1530م): شهد عام 1530م لحظة فارقة بوصول شخصيتين محوريتين إلى المملكة: الفقيه محمد الجعلي الرباطابي، وهو رجل علم وفقيه متنقل يمثل امتداداً للحركة العلمية الإسلامية في السودان، ومعه أبو هيامة. استقر الرجلان في تقلي وباشرا مهمة عظيمة هي الدعوة إلى الإسلام. كان تأثيرهما سريعاً وعميقاً، حيث نجحا في إدخال الدين الجديد إلى المجتمع، ما أدى إلى تحول سياسي واجتماعي شامل للمملكة، مُنهياً حقبة الوثنية ومستهلاً عهد الإسلام.
الفصل الثاني: البنية التحتية الدينية والنهضة التعليمية
لم يقتصر الأمر على مجرد اعتناق الدين، بل سعت مملكة تقلي إلى تأسيس بنية تحتية قوية لترسيخ التعاليم الإسلامية. وصل هذا الجهد أوجه خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تحولت المملكة إلى منطقة إشعاع علمي:
1. المؤسسات التعليمية العامة: المساجد والخلاوي:
- المساجد: لم تعد مجرد أماكن للعبادة، بل تحولت إلى مراكز علمية واجتماعية لإقامة الشعائر وتدارس الفقه والعقيدة والسنة.
- خلاوي القرآن الكريم: تزايد عددها بشكل ملحوظ. هذه الخلاوي هي مدارس نظامية مكرسة بالدرجة الأولى لتحفيظ القرآن الكريم كاملاً، بالإضافة إلى تدريس مبادئ اللغة العربية والعلوم الشرعية الأساسية. كان انتشار هذه الخلاوي دليلاً على أن رعاية التعليم القرآني كانت سياسة رسمية ومجتمعية راسخة.
2. تأثير الطرق الصوفية وتخصصها العلمي:
لعبت الطرق الصوفية دوراً حيوياً في تنظيم ونشر المعرفة الدينية.
- التغلغل المجتمعي: انتشرت عدة طرق صوفية، وأصبح لكل منها شبكة متكاملة من الخلاوي والمساجد الخاصة بها.
- الإشراف والدعم: كان يشرف على هذه المؤسسات مشايخ متخصصون وعلماء كبار، يضمنون جودة التعليم واستمراريته. هذا الترتيب أتاح رعاية دقيقة لطلاب القرآن وساهم في تخريج أجيال من الحفاظ والفقهاء، مما عزز من مكانة تقلي كمركز للعلم في المنطقة.
الفصل الثالث: دور الأسرة والانتشار الجماهيري للتعليم القرآني
كانت السمة الأبرز للنهضة في تقلي هي دمج التعليم في صميم الحياة الأسرية والمجتمعية، متجاوزة بذلك مجرد الاعتماد على المؤسسات العامة.
1. التقابة الأسرية (تعليم الرجال والنساء):
أظهرت الأسر الكبيرة اهتماماً استثنائياً بتعليم جميع أفرادها، إيماناً منها بأن العلم فريضة لا تقتصر على الذكور.
نظام "التقابتين": كان من المألوف أن تجد في المنزل الواحد مكانين مخصصين لتعليم القرآن يُطلق عليهما محلياً "التقابة" (وهي مكان مخصص لتدارس وحفظ القرآن).
- تقابة الرجال: مخصصة لتعليم الذكور من أفراد العائلة وأبناء الجيران.
- تقابة النساء: وهي نقطة مضيئة تظهر الاعتراف المبكر بأهمية تعليم المرأة في تقلي، حيث كانت مخصصة لتعليم الإناث، مما يضمن وصول المعرفة القرآنية إلى شريحة واسعة من المجتمع.
2. مشهد "نيران القرآن" والانتشار الكثيف:
لم يكن هذا الانتشار مجرد ظاهرة هامشية، بل كان ملموساً في الحياة اليومية:
- المشهد الليلي: وصل عدد خلاوي القرآن لدرجة أن المتجول بين قرى تقلي ليلاً كان "لا يحتاج لضوء". هذه العبارة البليغة كناية عن أنوار الخلاوي المشتعلة طوال الليل بـ "نيران القرآن"، وهي أضواء القناديل والمصابيح التي تضيء حلقات الدراسة المستمرة للحفظ والتلاوة، مما يدل على أن المنطقة كانت تعيش حالة يقظة علمية دائمة.
- الخلاوي الرائدة: من أقدم وأشهر هذه المراكز التعليمية التي أرست هذا التقليد كانت خلوة محمد نجر بأم شطور، وكذلك خلوة ود الأفندي، اللتان أصبحتا نموذجاً يُحتذى به في تأسيس الخلاوي الأخرى.
في الختام، تُعد مملكة تقلي مثالاً تاريخياً على كيفية تحول كيان محلي بالكامل إلى قوة دينية وتعليمية، حيث كان القرآن الكريم يمثل عموداً فقرياً للحياة فيها، يُدرس ويُحفظ في كل زاوية ومنزل.