جسر دير الزور المعلق: عبقرية الهندسة الفرنسية في القرن العشرين وثاني أيقونات الطراز التعليقي في العالم

جسر دير الزور المعلق: سيرة الشاهد الفراتي من المجد إلى الركام

يعد جسر دير الزور المعلق، أو كما يلقبه أبناء المنطقة "الجسر المعلق"، أيقونة معمارية فريدة لم تكن مجرد وسيلة للربط بين ضفتي نهر الفرات، بل كانت الرمز القومي والهوية البصرية لمدينة دير الزور وشرق سوريا بأكمله. يمثل الجسر حقبة من الامتزاج بين التكنولوجيا الغربية والبيئة الشرقية، وظل لعقود أطول جسر معلق في المنطقة وأحد أندر النماذج الهندسية في العالم.


الجذور التاريخية والريادة المعمارية:

بدأت قصة الجسر في منتصف العشرينيات من القرن العشرين، وتحديداً في عام 1925 خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا. كانت الحاجة ملحة لربط منطقة "الشامية" (مركز المدينة) بمنطقة "الجزيرة" السورية الغنية بالثروات الزراعية والنفطية لاحقاً.

استغرقت عمليات التشييد قرابة الست سنوات من العمل الهندسي الشاق، حيث تم استقدام مهندسين وفنيين فرنسيين من ذوي الخبرة في بناء الجسور العسكرية والمدنية. تم افتتاح الجسر رسمياً في عام 1931 في عهد الشيخ "محمد سعيد الهنيدي" رئيس بلدية دير الزور آنذاك، وبحضور شخصيات رسمية رفيعة. وتكمن عظمة هذا الجسر في أنه صُنف كـ ثاني جسر في العالم يُبنى بهذا الطراز الهندسي الخاص (الجسور المعلقة بالأسلاك الفولاذية والركائز الحجرية)، بعد جسر يقع في جنوب فرنسا، مما جعله أعجوبة هندسية في الشرق الأوسط.


التفاصيل الهندسية والإنشائية المعمقة:

بُني الجسر وفق معايير عالمية صارمة مكنته من الصمود أمام فيضانات الفرات العاتية لعقود طويلة قبل بناء سد الفرات. ويمكن تفصيل عبقريته الهندسية في النقاط التالية:

  • الهيكل والامتداد: يمتد الجسر على طول إجمالي يصل إلى 500 متر تقريباً، وهو طول قياسي في ذلك الوقت. اعتمد في تصميمه على مبدأ التعليق بواسطة كابلات فولاذية ضخمة (أسلاك مجدولة) تربط بين قناطر شاهقة الارتفاع وجسم الجسر السفلي.
  • الركائز والفتحات: يقوم الجسر على ركائز وقواعد حجرية ضخمة جداً غُرست في قاع النهر، بُنيت من الحجر البازلتي والقاسي المقاوم للمياه. يتكون الجسر من أربع فتحات رئيسية في وسط النهر، يبلغ طول كل فتحة منها 105 أمتار، بالإضافة إلى فتحتين جانبيتين تؤمنان الوصول إلى اليابسة، مما منحه توازناً مثالياً وتوزيعاً دقيقاً للأحمال.
  • الارتفاع والشموخ: ترتفع ركائز الجسر وقناطره الفولاذية إلى حوالي 36 متراً فوق مستوى سطح الماء، مما كان يتيح للمدينة أفقاً بصرياً رائعاً، ويسمح بمرور السفن والقوارب النهرية دون عوائق.
  • المواد الصلبة: استُخدمت في البناء أطنان من الحديد والفولاذ المتطور الذي تم شحنه من فرنسا خصيصاً، وجرى تجميعه بأسلوب "البرشمة" اليدوية والآلية، وهي تقنية تمنح الجسر مرونة كافية للاهتزاز البسيط مع حركة الرياح أو الأوزان دون أن ينكسر.


الأهمية الاجتماعية والجمالية:

تحول الجسر سريعاً من مجرد مشروع بنيوية إلى جزء لا يتجزأ من الثقافة الشعبية الديرية. كان الجسر هو "المتنفس" الوحيد للأهالي؛ فعلى أرصفته الضيقة كانت تُعقد اللقاءات، وفوق حباله كان الفتيان يتبارون في القفز إلى مياه الفرات صيفاً.

جمالياً، كان الجسر يضاء ليلاً بأنوار تنعكس على صفحة مياه النهر، مما يخلق مشهداً سينمائياً جعل من المنطقة المحيطة به أغلى عقارات المدينة ومقصداً سياحياً لجميع السوريين والعرب. وقد خُلد الجسر في القصائد الشعبية، والأغاني الفراتية، واللوحات التشكيلية، حتى أصبح يُعرف بـ "لؤلؤة الفرات".


فاجعة التدمير والاتهامات المتبادلة:

في مشهد مأساوي لم يتخيله أحد، وفي تاريخ 2 مايو 2013، سقط "العملاق المعلق" صريعاً نتيجة الصراع المسلح الذي شهدته سوريا. تم تفجير الجسر بعبوات شديدة الانفجار استهدفت ركائزه وقناطره الأساسية، مما أدى إلى انهيار جسم الجسر الطويل في قعر النهر، وتحوله إلى قطع من الحديد الملتوي.

أثار هذا الدمار سخطاً واسعاً، حيث تبادلت قوات النظام السوري وقوات المعارضة الاتهامات حول من ضغط على زر التفجير. وبالرغم من ضياع الحقيقة وسط غبار الحرب، إلا أن النتيجة كانت فقدان سوريا لمعلم أثري لا يمكن تعويضه، وقطع شريان تاريخي كان يربط بين حضارات وتاريخ شرق البلاد وغربها.


الخاتمة والوضع الراهن:

اليوم، يقف ما تبقى من حطام جسر دير الزور المعلق كشاهد صامت على ويلات الحرب. ورغم محاولات بعض المنظمات والأهالي طرح فكرة إعادة إعماره، إلا أن التكلفة الباهظة والتعقيد الهندسي لهذا الطراز القديم يجعلان من عودته كما كان تحدياً كبيراً. يبقى الجسر حياً في ذاكرة الصور وفي قلوب أبناء دير الزور الذين ينتظرون اليوم الذي تعود فيه قناطر "المعلق" لتعانق سماء الفرات من جديد.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال