المستشفيات في جزر القمر:
تتميز المنظومة الصحية في جمهورية جزر القمر بخصوصية جغرافية وإدارية فريدة تفرضها طبيعة البلاد كأرخبيل مكوّن من عدة جزر في المحيط الهندي. يواجه قطاع المستشفيات في هذا البلد الإفريقي الصغير تحديات بنيوية واقتصادية بالغة التعقيد، تتقاسمها الجزر الثلاث الرئيسية: جزيرة القمر الكبرى، وجزيرة أنجوان، وجزيرة موهيلي.
فيما يلي موضوع مفصل ومتكامل يستعرض واقع المستشفيات في جزر القمر، وهيكليتها، وأبرز المؤسسات الطبية، والتحديات التي تواجه القطاع، فضلاً عن الجهود الدولية المبذولة لتطويره.
أولاً: الهيكلية الإدارية والتقسيم الجغرافي للمستشفيات
تتبع الرعاية المستشفياتية في جزر القمر نظاماً لمركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ. فبينما تتولى وزارة الصحة الاتحادية رسم السياسات العامة، تدير كل جزيرة مرافقها الصحية بشكل شبه مستقل عبر إدارات جهوية. وتنقسم البنية التحتية للمستشفيات إلى ثلاثة مستويات أساسية:
- المستوى الوطني (المرجعي الثاني): ويمثله المستشفى الوطني الرئيسي في العاصمة، والذي يستقبل الحالات المستعصية والحرجة المحولة من بقية الجزر.
- المستوى الجهوي (الإقليمي): ويتمثل في وجود مستشفى مركزي جامع في كل جزيرة كبرى لإدارة الخدمات الطبية الأساسية والعمليات الجراحية المتوسطة.
- المستوى المحلي (المقاطعات والمراكز الصحية): ويشمل شبكة من مستشفيات المقاطعات الصغيرة والمراكز الطبية الريفية التي تقدم الإسعافات الأولية والرعاية الصحية الأساسية ومتابعة الحمل والولادة.
ثانياً: أبرز المستشفيات والمراكز الطبية في البلاد
تتوزع المستشفيات الرئيسية في جزر القمر وفقاً للثقل الديموغرافي والجغرافي للجزر على النحو التالي:
1. مستشفى المعروف الوطني المرجعي (Hôpital El-Maarouf):
يقع هذا المستشفى في العاصمة "موروني" بجزيرة القمر الكبرى، وهو المؤسسة الطبية الأكبر والأقدم في البلاد. يمثل المستشفى عصب القطاع الصحي القمري والوجهة النهائية للحالات الطبية المعقدة. يضم أقساماً متعددة تشمل الجراحة العامة، وطب الأطفال، وأمراض النساء والتوليد، والطب الباطني. بالرغم من مكانته السيادية، فإنه يعاني باستمرار من الاكتظاظ ومحدودية المعدات التشخيصية المتقدمة.
2. مستشفى هومبو الإقليمي (Hôpital de Hombo):
يعد المستشفى الرئيسي والمركز المرجعي الأول في جزيرة "أنجوان"، ويقع في مدينة موتسامودو. يقدم المستشفى خدمات الرعاية الثانوية لسكان الجزيرة، ويخفف الضغط عن مستشفى المعروف بالعاصمة. يركز بشكل كبير على خدمات رعاية الأمومة والطفولة والجراحة الأساسية، ويمتلك برامج تعاون دولية لتشخيص أمراض القلب لدى الأطفال.
3. مستشفى فومبوني (Hôpital de Fomboni):
هو المنشأة الاستشفائية الرئيسية في جزيرة "موهيلي"، وهي أصغر الجزر الثلاث وأقلها حظاً في البنية التحتية. يقتصر دور هذا المستشفى في الغالب على تقديم الرعاية الطبية الأساسية، وتثبيت حالات الطوارئ، والولادات الطبيعية، بينما تُحال الحالات الجراحية الكبرى أو الأورام إلى مستشفيات جزيرتي القمر الكبرى أو أنجوان نظراً للافتقار إلى التخصصات الدقيقة.
4. مستشفى نيوماتشوا للولادة (Maternité de Nioumachoua):
يقع في جزيرة موهيلي، ويمثل نموذجاً للمستشفيات المحلية المتخصصة التي حظيت بدعم دولي مؤخراً. يركز المرفق على خفض معدلات وفيات الأمهات والمواليد في المناطق الريفية عبر تقديم رعاية توليد متكاملة وفحوصات دورية معززة بأجهزة الموجات فوق الصوتية وسيارات الإسعاف.
ثالثاً: التحديات والمشكلات البنيوية
تواجه المستشفيات في جزر القمر عقبات مزمنة تؤثر سلباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ومن أبرز هذه التحديات:
- النقص الحاد في الكوادر المتخصصة: تعاني المستشفيات القميرية من هجرة العقول الطبية إلى الخارج (خاصة نحو فرنسا والمحيط الهندي). يظهر العجز جلياً في ندرة الأطباء الأخصائيين مثل أطباء الأورام، وأخصائيي التخدير، والإنعاش، مما يضطر الكثير من المرضى القادرين ماديًا إلى السفر للعلاج في الخارج.
- الاعتماد على المتطوعين: تعتمد رعاية المرضى في المنشآت الحكومية بشكل كبير على ممرضين وقابلات يشتغلون بصفة تطوعية دون أجور ثابتة ومنتظمة، مما يؤثر على الاستقرار الوظيفي ومستوى الكفاءة.
- ضعف التجهيزات والميانة البيوطبية: تفتقر أغلب المستشفيات إلى أجهزة الفحص المتقدمة مثل الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية الحديثة، فضلاً عن غياب منظومة فاعلة لصيانة المعدات الطبية القائمة أو إدارة النفايات الطبية بطرق آمنة.
- التمويل المالي المباشر: يغيب نظام التأمين الصحي الشامل والملزم في البلاد، مما يجعل الإنفاق المباشر من جيوب المرضى يغطي أكثر من نصف تكاليف العلاج والأدوية، وهو ما يشكل عبئاً ثقيلاً على الأسر محدودة الدخل.
رابعاً: الاستراتيجيات والجهود التطويرية
للتغلب على هذه الأزمات المتراكمة، تبنت الحكومة القمرية بالتعاون مع شركاء التنمية الدوليين عدة خطوات إصلاحية تهدف إلى إعادة الروح للقطاع المستشفياتي:
تسير الدولة وفق خطة "السياسة الوطنية للصحة"، والتي تهدف إلى إرساء نظام صحي عادل يضمن وصول الفئات الهشة للخدمات الطبية الأساسية. ومن أبرز المشاريع الميدانية مشروع "النهج الشامل لتعزيز النظام الصحي" (COMPASS) الممول من البنك الدولي، والذي يركز على دعم المستشفيات الريفية، وتوفير الأجهزة الأساسية، واعتماد نظام التمويل المبني على الأداء لرفع كفاءة العاملين.
علاوة على ذلك، تلعب المنظمات غير الحكومية الدولية (مثل منظمة "سلسلة الأمل") دوراً حيوياً في سد الفجوة المعرفية والتقنية، من خلال إدخال تقنيات الاتصال الطبي عن بعد لربط المستشفيات الوطنية في موروني وأنجوان بمستشفيات جامعية في جزر ريونيون وفرنسا، مما يتيح تشخيص الحالات المعقدة جراحياً وسريرياً بسرعة وكفاءة عالية.