البلدات البدوية في النقب بعد قيام دولة إسرائيل:
يعتبر ملف البلدات البدوية في النقب من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً في التاريخ المعاصر لمنطقة النقب بعد عام 1948. فقد شهدت حياة المجتمع البدوي تحولات جذرية انتقلت بهم من نمط حياة الترحال والاعتماد على الأرض الواسعة إلى نمط الاستقرار القسري في بلدات محددة، وسط صراع مستمر على الملكية والتخطيط.
أولاً: التحول الجغرافي والسياسي (1948 - 1966)
بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، تغيرت الخارطة الديموغرافية في النقب بشكل هائل. فمن أصل حوالي 100 ألف بدوي كانوا يعيشون في المنطقة، بقي فقط نحو 11 ألف نسمة، بينما هُجر البقية إلى قطاع غزة والأردن وشبه جزيرة سيناء.
في هذه الفترة، فُرض الحكم العسكري على من تبقى من البدو، وتم تجميعهم في منطقة جغرافية محددة في النقب الشمالي الشرقي عُرفت بمنطقة "السياج" (منطقة محصورة بين بئر السبع وعراد وديمونا). مُنع السكان في تلك الفترة من العودة إلى أراضيهم الأصلية في غرب وشمال النقب، واعتبرت الدولة تلك الأراضي "أراضي دولة".
ثانياً: نشأة البلدات المعترف بها (التوطين القسري)
ابتداءً من أواخر الستينيات، بدأت السلطات الإسرائيلية سياسة "التوطين" بهدف تجميع البدو في بلدات حضرية ثابتة لتقليل مساحة الأرض التي يشغلونها. نتج عن هذه السياسة إقامة سبع بلدات رئيسية تُعرف بـ "البلدات السبع"، وهي:
- رهط: وهي كبراها وأصبحت لاحقاً مدينة وتعد اليوم أكبر تجمع بدوي في العالم.
- تل السبع: أول بلدة تم إنشاؤها عام 1969.
- كسيفة.
- عرعرة النقب.
- شقيب السلام.
- حورة.
- لقية.
تتميز هذه البلدات بكونها صُممت بنمط حضري (مدني) لا يتناسب دائماً مع الطبيعة الرعوية والزراعية للمجتمع البدوي، مما خلق فجوات اقتصادية واجتماعية، حيث تعاني هذه البلدات من أعلى معدلات البطالة والفقر مقارنة بالمدن الأخرى.
ثالثاً: القرى غير المعترف بها (قضية الصمود)
بالمقابل، رفض آلاف البدو الانتقال إلى البلدات السبع المخططة، متمسكين بأراضيهم التاريخية وقراهم التي سكنوها قبل عام 1948 أو هُجروا إليها وقت الحكم العسكري. أدى ذلك لنشوء ما يعرف بـ "القرى غير المعترف بها"، والتي يبلغ عددها نحو 35 قرية.
خصائص هذه القرى:
- الحرمان من الخدمات: لا تظهر هذه القرى على الخرائط الرسمية للدولة، وبالتالي تُحرم من الربط بشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي.
- سياسة الهدم: تتعرض المنازل في هذه القرى لعمليات هدم متكررة بحجة البناء "غير المرخص"، رغم أن السكان لا يملكون إمكانية الحصول على تراخيص أصلاً لعدم وجود مخططات هيكلية لقرىهم.
- انعدام البنية التحتية: تفتقر هذه المناطق للطرق المعبدة والمرافق الصحية والتعليمية الكافية، مما يضطر السكان للاعتماد على صهاريج المياه والمولدات الكهربائية الخاصة.
رابعاً: القرى المعترف بها حديثاً (مجلس "أبوم بسمة" و"القيصوم")
تحت الضغط الشعبي والقانوني، اعترفت الحكومة الإسرائيلية في عام 2003 بمجموعة من القرى (مثل بير هداج، أم بطين، وقصر السر) وتم ضمها ضمن مجالس إقليمية (مثل مجلس أبو بسمة الذي انقسم لاحقاً إلى مجلسي "واحة الصحراء" و"القيصوم"). ورغم الاعتراف، إلا أن وتيرة التطوير والبناء وتوفير الخدمات في هذه القرى لا تزال بطيئة جداً مقارنة باحتياجات السكان.
خامساً: التحديات الراهنة والصراع على الأرض
تعيش البلدات البدوية اليوم حالة من التوتر المستمر نتيجة عدة مشاريع حكومية تهدف إلى إعادة توزيع السكان، ومن أبرز هذه التحديات:
- قانون "برافر": الذي طُرح عام 2011 وواجه احتجاجات واسعة، وكان يهدف لتجميع سكان القرى غير المعترف بها في البلدات القائمة ومصادرة مئات آلاف الدونمات.
- التوسع العسكري والصناعي: غالباً ما يتم ترحيل التجمعات البدوية لإقامة قواعد عسكرية، مناجم فوسفات، أو مشاريع قومية مثل "طريق 6" السريع.
- أزمة السكن: حتى في البلدات المعترف بها، هناك نقص حاد في القسائم المخصصة للبناء، مما يدفع الأجيال الشابة للبناء "غير القانوني" والوقوع تحت طائلة الغرامات والهدم.
سادساً: الواقع الاجتماعي والاقتصادي
رغم هذه التحديات، استطاع المجتمع البدوي في هذه البلدات تحقيق اختراقات في مجالات التعليم العالي والاندماج في مهن الطب والهندسة والمحاماة. ومع ذلك، لا تزال الفجوة في تخصيص الميزانيات بين البلدات البدوية والبلدات اليهودية المجاورة تشكل عائقاً أساسياً أمام التنمية المستدامة.