مترو الدار البيضاء: من حلم الأنفاق إلى ثورة التنقل السطحي
السياق التاريخي ونشأة الفكرة:
تعتبر مدينة الدار البيضاء القلب النابض للاقتصاد المغربي، وبسبب نموها الديموغرافي الانفجاري منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت الحاجة الملحة لوسيلة نقل جماعي ذات سعة كبيرة. بدأت الدراسات الأولى لمشروع المترو في السبعينيات، وكان الهدف هو محاكاة النماذج العالمية في باريس ولندن، لخلق شبكة نقل معزولة تماماً عن حركة المرور السطحية الخانقة التي بدأت تؤرق سكان العاصمة الاقتصادية.
تطور المقترحات التقنية: بين الحفر والتحليق
على مدى عقود، لم يكن المشروع ثابتاً، بل شهد تغييرات جذرية في التصورات الهندسية بناءً على الميزانيات المتاحة والدراسات التقنية:
- مشروع المترو تحت الأرض (Underground): كان التصور الأصلي يعتمد على حفر أنفاق عميقة تخترق أحياء المدينة المكتظة مثل "درب السلطان" و"المعاريف" وصولاً إلى "سيدي مومن". هذا الخيار كان يهدف لتوفير أقصى سرعة ممكنة بعيداً عن تقاطعات الشوارع.
- مشروع المترو الهوائي (Aerometre): في العقد الأخير قبل إلغاء الفكرة، وتحديداً بين عامي 2013 و2014، برز مقترح "المترو المعلق" أو الهوائي. كان الفرض يعتمد على تشييد جسور علوية تسير عليها القطارات وسط الشوارع الكبرى. هذا المقترح جاء كمحاولة لتقليل تكلفة الحفر الضخمة، لكنه واجه انتقادات تتعلق بتشويه المنظر العام للمدينة والضجيج.
لماذا تعثر "حلم المترو"؟ (العوائق الجوهرية):
لم يكن التخلي عن المترو قراراً سهلاً، بل جاء نتيجة تراكم مجموعة من التحديات المعقدة:
- التكلفة المالية الباهظة: قُدرت تكلفة الخط الواحد للمترو بما يعادل تكلفة إنشاء أربعة خطوط للترامواي. وباعتبار أن الدار البيضاء كانت بحاجة لتغطية مساحات شاسعة بسرعة، وُجد أن المترو سيستهلك ميزانية المدينة لعقود مقابل خدمة مسار واحد محدود.
- تعقيد البنية التحتية الجوفية: كشفت الدراسات أن باطن أرض الدار البيضاء مليء بالتعقيدات؛ من شبكات صرف صحي قديمة، وأسلاك كهربائية، وقنوات مياه شرب تعود لعقود، مما يجعل الحفر عملية جراحية دقيقة ومكلفة جداً.
- العامل الجيولوجي: طبيعة التربة في بعض المناطق المحاذية للبحر والفرشة المائية القريبة من السطح زادت من المخاطر التقنية وتكاليف عزل الأنفاق ضد التسربات المائية.
التحول الاستراتيجي: عصر "الترامواي" و"الباصواي"
في عام 2014، اتخذت السلطات المحلية والمركزية قراراً تاريخياً بإغلاق ملف المترو نهائياً والتوجه نحو نظام "النقل الحضري في مسارات محجوزة"، والذي تجسد في:
- شبكة الترامواي: أثبتت التجربة أن الترامواي هو الحل الأمثل لمدينة كالدار البيضاء، حيث يوفر سعة ركاب عالية، ويساهم في إعادة تأهيل الشوارع (من أرصفة وإنارة وإنبات)، كما أنه أقل تكلفة بكثير في الصيانة والتشغيل مقارنة بالمترو.
- الباصواي (الحافلات عالية الجودة): تم إدخال هذا النظام لتعزيز الشبكة في المناطق التي لا تتطلب قطارات، حيث تسير حافلات عملاقة في مسارات خاصة بها، مما يحقق سرعة وانتظام المترو بتكلفة الحافلات.
الأثر الحضري والاجتماعي بعد تغيير المسار:
أدى استبدال المترو بالترامواي إلى فوائد لم تكن متوقعة في مشروع الأنفاق:
- تحسين المشهد العمراني: الترامواي فرض تجديد الشوارع من الواجهة إلى الواجهة، مما رفع من قيمة العقارات المحيطة وحسن جودة الحياة للمشاة.
- العدالة المجالية: بفضل التكلفة المنخفضة نسبياً مقارنة بالمترو، تمكنت المدينة من مد الخطوط لتصل إلى الأحياء الهامشية والبعيدة، مما ساهم في فك العزلة عن آلاف الأسر وربطهم بمراكز العمل والتعليم.
مستقبل التنقل في العاصمة الاقتصادية:
رغم طي صفحة المترو، إلا أن الدار البيضاء مستمرة في تطوير رؤيتها للنقل، حيث تهدف المخططات الحالية إلى جعل المدينة تعتمد كلياً على النقل النظيف عبر توسعة خطوط الترامواي لتصل إلى خمسة أو ستة خطوط مستقبلاً، مع دمج الشبكة بشكل ذكي مع القطار الجهوي (RER) الذي سيلعب دوراً مشابهاً للمترو في ربط الدار البيضاء بضواحيها الكبرى مثل المحمدية ومطار محمد الخامس.