من عقبة بن نافع إلى شاكر الأزدي: استراتيجية التأسيس الديني وبناء المعاهد الإسلامية الأولى ببلاد المغرب

شاكر بن عبد الله الأزدي: رائد التعليم الديني في مغرب الفتوحات

الأصل والنشأة والمهمة التاريخية:

يعد شاكر بن عبد الله الأزدي شخصية محورية في تاريخ المغرب الإسلامي المبكر؛ فهو أحد التابعين الأجلاء الذين رافقوا القائد الفاتح عقبة بن نافع الفهري خلال حملاته التاريخية في بلاد المغرب (ما بين سنتي 62 و63 هجرية).

لم يكن وجود شاكر في هذه الربوع عابرًا، بل كان جزءًا من رؤية استراتيجية وضعها عقبة بن نافع تهدف إلى "تثبيت الإيمان" وليس فقط الفتح العسكري. فعندما قرر عقبة مغادرة المغرب، لم يتركه فراغًا، بل اصطفى نخبة من أصحابه ومن بينهم شاكر الأزدي، وأوكل إليهم مهمة سامية تتمثل في تعليم البربر القرآن الكريم وشرح شعائر الدين الإسلامي. ويؤكد صاحب كتاب "السيف المسلول" هذه المكانة بقوله إن عقبة استخلفه على شؤون المساجد، مما يجعله بمثابة "ناظر للأوقاف والشؤون الدينية" في ذلك العصر المبكر.


الدور الريادي لعقبة بن نافع في التأسيس العمراني والديني:

ارتبط اسم شاكر الأزدي بمنجزات عقبة بن نافع الذي وضع اللبنات الأولى للحضارة الإسلامية في المغرب الأقصى. فقد قام عقبة بتأسيس معاهد دينية ومساجد كانت بمثابة منارات للعلم، ومن أبرزها:

  • مسجد نفيس: الذي شُيد في مدينة نفيس التاريخية، ولا تزال أطلاله شاهدة على عمق الجذور الإسلامية في المنطقة.
  • مسجد ماسة: وهو من المساجد الشهيرة التي لعبت دورًا في نشر الإشعاع الروحي.

الاستقرار في "منطقة أحمر": الأبعاد الاستراتيجية والاجتماعية

اختار شاكر بن عبد الله الأزدي الاستقرار في منطقة أحمر (الحالية) وتأسيس مسجده بها، ولم يكن هذا الاختيار وليد الصدفة، بل أملاه عاملان أساسيان:

  1. الموقع الاستراتيجي: تميزت منطقة أحمر بموقع يتيح الإشراف والمراقبة على شبكة المساجد والمعاهد التي أسسها عقبة بن نافع، فكانت بمثابة نقطة ارتكاز لإدارة الشؤون الدينية في المنطقة.
  2. طبيعة الاستيطان العربي المبكر: يوضح المؤرخ السلاوي أن الفاتحين الأوائل من العرب فضلوا سكنى "الأمصار" (المدن والمراكز الحضارية) والقصور المشيدة، بدلاً من حياة البادية والخيام، مما يدل على أن منطقة استقرار شاكر كانت مركزاً حضرياً أو "مصراً" من أمصار المغرب في ذلك الحين.

العمق التاريخي للمنطقة: من إنسان إيغود إلى الفتح الإسلامي

إن القيمة التاريخية للمكان الذي استقر فيه شاكر الأزدي تتجاوز العصر الإسلامي لتضرب جذورها في أعماق التاريخ البشري. ففي المنطقة الغربية القريبة من جبل إيغود (حيث استقر شاكر)، تم اكتشاف أحد أهم اللقى الأثرية في العالم:

  • اكتشاف إنسان إيغود (Homme d’Ighoud): عثر عليه الباحث الفرنسي "إينوشي" عام 1962.
  • القيمة العلمية: أكد الباحث "هوبلان" عام 1986 أن عمر هذه البقايا البشرية يتراوح ما بين 80 ألف و125 ألف سنة (وقد عدلت الدراسات الأحدث هذا الرقم إلى أكثر من 300 ألف سنة).

هذا الربط بين الاستقرار الإسلامي (شاكر الأزدي) والعمق الأنثروبولوجي (إنسان إيغود) يبرز أهمية هذه المنطقة كمركز جذب استيطاني وحضاري عبر العصور، بدأت من فجر البشرية وصولاً إلى كونها منطلقاً لتأسيس العقيدة والشريعة في المغرب.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال