دليل التمييز بين الخطأ والغش في العمل المحاسبي ومسؤولية المراجع:
تعتمد جودة التقارير المالية على مدى مطابقة البيانات المثبتة في الدفاتر والسجلات للواقع الفعلي والعمليات الحقيقية للمنشأة. ومن هنا تبرز أهمية التفرقة بين "الخطأ" و"الغش" كركيزة أساسية في مهنة المراجعة.
أولاً: مفهوم الأخطاء (غير المقصودة)
يُقصد بالخطأ المحاسبي وجود تباين بين الأرقام أو المعلومات المسجلة وبين الواقع السليم، دون وجود نية مبيتة للتضليل. تنشأ هذه الأخطاء عادة نتيجة الجهل بالمعايير، أو السهو، أو نقص الكفاءة، وتتعدد أشكالها لتشمل:
- الأخطاء الحسابية: وتتعلق بالعمليات الرياضية الأساسية (الجمع، الطرح، الضرب، القسمة) أثناء استخراج الأرصدة أو ترحيل المبالغ.
- أخطاء السهو والحذف: وتتمثل في نسيان إثبات عملية مالية بالكامل في الدفاتر، مما يؤدي إلى عدم اكتمال البيانات المالية.
- أخطاء التفسير: وتقع نتيجة الفهم الخاطئ لحدث مالي معين أو سوء تقدير للحقائق المتاحة في لحظة التسجيل.
- الأخطاء الفنية (أخطاء الأصول): وتحدث نتيجة التطبيق الخاطئ للسياسات والأسس المحاسبية، كخلط المصاريف الإيرادية بالمصاريف الرأسمالية.
- الأخطاء الارتكابية: وهي الأخطاء التي تقع أثناء تنفيذ الدورة المحاسبية من إثبات وقياس وعرض، كترحيل مبلغ إلى حساب غير حسابه الصحيح.
ثانياً: مفهوم الغش (الأخطاء العمدية)
يمثل الغش خروجاً متعمداً عن الصدق والأمانة في عرض البيانات المالية، حيث يتم التخطيط له مسبقاً بهدف تضليل أصحاب المصلحة أو تحقيق مكاسب غير مشروعة. وتتعدد صوره لتشمل:
- التلاعب بالمستندات: سواء بالتزوير أو التعديل في المستندات الأصلية المؤيدة للعمليات.
- إثبات عمليات وهمية: تسجيل صفقات أو إيرادات ليس لها وجود في الواقع لتعظيم الأرباح أو تحسين صورة المركز المالي.
- الإخفاء العمدي: تعمد عدم إثبات بعض الالتزامات أو المصاريف لإظهار المنشأة في وضع مالي أفضل.
- التحريف المتعمد للسياسات: استخدام معالجات محاسبية خاطئة عن قصد للالتفاف على نتائج الأعمال الحقيقية.
ثالثاً: حدود مسؤولية المراجع القانونية والمهنية
يتحمل المراجع مسؤولية التحقق من خلو البيانات المالية من التحريفات الجوهرية (سواء كانت ناتجة عن خطأ أو غش). ومع ذلك، يقر العرف المهني بأن:
- المسؤولية المهنية: المراجع مُطالب ببذل "العناية المهنية الواجبة" والحصول على أدلة إثبات كافية ومناسبة.
- الأخطاء المحبكة: في حال وجود غش منظم وتواطؤ بين أطراف متعددة لإخفاء الحقيقة، قد يصعب على المراجع اكتشافها بالطرق العادية، وهنا يُعفى من المسؤولية طالما أثبت التزامه بالمعايير والاجتهاد الكافي.
رابعاً: دور الرقابة الداخلية والوازع الأخلاقي
هناك علاقة طردية بين قوة نظام الرقابة الداخلية وانخفاض معدلات الأخطاء والغش. فكلما كانت الأنظمة متطورة وتعتمد على التقنية الحديثة، ضاقت الفرص أمام المفسدين.
- الرقابة والتدقيق: يجب على المراجع توسيع نطاق فحصه في حال ضعف أنظمة الرقابة الداخلية، كما أن التكامل بين المراجعة الداخلية والخارجية يمثل صمام أمان للمنشأة.
- البعد الأخلاقي والديني: يظل الصلاح الذاتي للعاملين والالتزام بالقيم الإسلامية هو الخط الدفاعي الأول، حيث يمنع الوازع الديني الوقوع في المخالفات حتى في غياب الرقابة البشرية.
خامساً: إجراءات المعالجة والإفصاح
عند اكتشاف المراجع لأي خطأ، فإنه يقوم بـ:
- تحليل الأسباب الجذرية للخطأ.
- توجيه الإدارة نحو طرق التصويب الصحيحة.
- الإفصاح في التقرير: في حال رفض الإدارة لتصويب الأخطاء الجوهرية التي تؤثر على عدالة القوائم المالية، يلتزم المراجع بالإفصاح عن ذلك صراحة في تقريره المهني لضمان شفافية المعلومات.
سادساً: سبل مكافحة الفساد المالي
بما أن بعض النفوس قد تتقن أساليب التمويه والتواطؤ، فإن العلاج الجذري لا يقتصر على القوانين الوضعية فقط، بل يمتد ليشمل:
- التربية الإيمانية: إحياء مفهوم الرقابة الإلهية واستحضار الخوف من الله في التعاملات المالية.
- الردع القانوني: تطبيق الحدود والجزاءات الرادعة التي قررها الشرع للسرقة والحرابة لضمان أمن الأموال والمجتمع.
- الامتثال للهدي النبوي: استشعار وعيد النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "من غشنا فليس منا"، كقاعدة أخلاقية جامعة تحكم السلوك الاقتصادي.