التناقض البشري في إدارة النمو السكاني: الأولوية لتقليل الوفيات على حساب التحكم بالمواليد
تُشير الملاحظة الأساسية إلى وجود تفضيل جوهري وعالمي لدى المجتمعات والأفراد، بل وحتى الأنظمة الصحية والاجتماعية، للتركيز على تقليل معدلات الوفيات وإطالة أعمار البشر، بدلاً من بذل جهد مماثل أو مساوٍ للتحكم الصارم في معدلات المواليد. هذا التوجه ليس مجرد قرار سياسي، بل هو انعكاس عميق للقيم الإنسانية الأساسية المتعلقة بالبقاء واحترام الحياة.
الإقبال المطلق على إطالة العمر والتقدم الطبي:
يُعدّ سعي الإنسان إلى إطالة عمره أمراً فطرياً ومحركاً رئيسياً للتقدم العلمي. هذا السعي يتجلى في القبول المطلق وغير المشروط تقريباً لـ كل الأساليب الطبية والتقنية التي تسهم في تأخير الموت أو تحسين نوعية الحياة.
- القبول التكنولوجي واسع النطاق: يقبل الأفراد استخدام التقنيات الطبية المتقدمة مثل اللقاحات، والمضادات الحيوية، وعمليات زراعة الأعضاء، ووسائل العناية المركزة، وحتى الأبحاث المعقدة في علم الجينوم ومكافحة الشيخوخة. يُنظر إلى هذه التدخلات على أنها انتصار للعلم وواجب إنساني، ولا يوجد غالباً أي اعتراض أخلاقي أو اجتماعي واسع النطاق على هذه الممارسات الهادفة إلى إنقاذ الحياة.
- الدافع الأخلاقي والقيمي: إن إنقاذ حياة إنسان أو تخفيف آلامه يُعتبر قيمة عليا في معظم الثقافات والأديان. لذا، يتم توجيه استثمارات ضخمة من الحكومات والقطاع الخاص نحو البحث الطبي وتطوير البنية التحتية للرعاية الصحية، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض مستمر في معدلات الوفيات، خاصة وفيات الرضع ووفيات الأمراض المعدية.
في المقابل، غالباً ما تثير إجراءات تحديد النسل أو تنظيم الأسرة نقاشات أخلاقية ودينية واجتماعية معقدة، مما يجعل تبنيها والالتزام بها أقل شمولية وإلحاحاً من تدابير الحفاظ على الحياة.
دور علماء الاجتماع في كشف التفاوت الطبقي في الوفيات:
بالرغم من التقدم الطبي الهائل، فإن الانخفاض في معدل الوفيات ليس متساوياً عبر جميع فئات المجتمع، وهذا هو المحور الذي يركز عليه علماء الاجتماع عند تحليلهم لهذه الظاهرة.
- الفروق البنيوية في الوفيات: يسهم علماء الاجتماع في بيان الفروق الواضحة والمؤثرة في معدلات الوفيات على ضوء النظم الاجتماعية المتباينة. فهم يوضحون كيف أن عوامل مثل مستوى الدخل، ومكان الإقامة، ومستوى التعليم، والوصول إلى الغذاء الصحي، تؤثر بشكل مباشر في احتمالية بقاء الفرد على قيد الحياة.
- الطبقات الاجتماعية كعامل حاسم: في مقدمة هذه الفروق تأتي الطبقات الاجتماعية. تُظهر الدراسات باستمرار أن الأفراد في الطبقات الاجتماعية الأدنى والأكثر فقراً غالباً ما يعانون من معدلات وفيات أعلى، ويتمتعون بمتوسط عمر متوقع أقصر. ويعود ذلك إلى:
- عدم تكافؤ الوصول للرعاية: يواجه الفقراء حواجز مالية وجغرافية تعيق وصولهم إلى الخدمات الطبية النوعية والمتقدمة التي تضمن إطالة العمر.
- التعرض لمخاطر أكبر: يكون أفراد هذه الطبقات أكثر عرضة للعيش في بيئات غير صحية، وممارسة مهن خطرة، والتعرض لسوء التغذية، وكلها عوامل تزيد من مخاطر الوفاة المبكرة.
التداعيات والنتائج السكّانية:
هذا التركيز الأحادي الجانب على خفض الوفيات دون التحكم الفعّال والمماثل في المواليد هو المحرك الرئيسي للنمو السكاني السريع الذي يُلاحظ في العديد من دول العالم النامي، وهو ما يُعرف في علم السكان بـ "المرحلة الانتقالية".
فالزيادة الكبيرة في عدد السكان لا تأتي بالضرورة من ارتفاع معدل المواليد (الذي قد يكون مستقراً أو حتى في انحدار)، بل تأتي من "فائض البقاء"؛ أي الفجوة المتزايدة بين عدد المواليد الجدد (الذي لم ينخفض بشكل كافٍ) وعدد الوفيات (الذي انخفض بشكل جذري بفعل الطب الحديث).