جسر القرن الإفريقي (جسر النور): حلم الربط القاري عند مضيق باب المندب
يُعد مشروع جسر القرن الإفريقي، الذي يُعرف أيضاً باسم جسر النور، أحد أضخم المشاريع الهندسية وأكثرها طموحاً التي تم اقتراحها في منطقة الشرق الأوسط وشمال شرق إفريقيا. يمثل هذا المشروع حلماً استراتيجياً يهدف إلى تحقيق ربط مادي مباشر بين قارتي آسيا وإفريقيا عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي، رابطاً بشكل مباشر بين سواحل اليمن في شبه الجزيرة العربية وجمهورية جيبوتي في القرن الإفريقي.
الرؤية والخلفية التاريخية للمشروع:
طُرحت فكرة هذا الجسر العملاق لأول مرة تقريباً في عام 2008 من قبل شركة الشرق الأوسط للتنمية، وكان المهندس طارق بن لادن وراء هذه المبادرة. لم يكن المشروع يقتصر على بناء الجسر فحسب، بل كان جزءاً من رؤية متكاملة لإنشاء مدن متطورة جديدة على طرفي المضيق تُسمى "مدينتي النور". كانت هذه المدن المخطط لها، واحدة في اليمن والأخرى في جيبوتي، ستشكل مناطق سكنية وتجارية وخدمات رعاية صحية، بهدف أن تتحول المنطقة إلى مركز اقتصادي وتجاري وسياحي عالمي.
التفاصيل الهندسية والأبعاد الاستراتيجية للجسر:
جسر القرن الإفريقي هو مشروع عملاق بتكلفة تقديرية أولية تتراوح بين 10 إلى 20 مليار دولار أمريكي للجسر نفسه، بينما تصل التكلفة الإجمالية للمشروع بأكمله (الجسر والمدن الملحقة) إلى مئات المليارات.
المسار والمكونات:
يبلغ الطول الكلي المقترح للجسر حوالي 28.5 كيلومتراً فوق مضيق باب المندب. يرتكز التصميم على مسار يربط بين الساحل اليمني ماراً بـ جزيرة بريم (ميون) الواقعة في وسط المضيق، ثم يتجه نحو الساحل الجيبوتي.
البنية التحتية المخططة:
لم يكن الجسر مجرد طريق للعبور، بل كان مصمماً ليكون شرياناً حيوياً متكاملاً يضم بنية تحتية متعددة الأغراض:
- الطرق والمسارات: يتضمن الجسر تصميماً لطريق سريع يضم ستة مسارات لعبور السيارات والشاحنات.
- السكة الحديدية: إضافة خط سكة حديد متطور بأربعة مسارات لنقل البضائع والركاب، مما يعزز الترابط اللوجستي بين القارتين.
- خطوط النقل الخدمية: يشمل المخطط أيضاً مد خطوط أنابيب لنقل الموارد الأساسية مثل البترول والمياه والغاز، مما يضمن تواصلاً خدمياً مستداماً بين شبه الجزيرة العربية والقرن الإفريقي.
الأهمية الاقتصادية والجيوستراتيجية:
يحمل جسر القرن الإفريقي أهمية استراتيجية واقتصادية هائلة، تجعله مشروعاً عملاقاً يتجاوز نطاق الدولتين المباشرتين:
- تعزيز التجارة القارية: سيحول الجسر اليمن وجيبوتي إلى بوابة تجارية رئيسية تربط دول الخليج العربي والشرق الأوسط بأكثر من 16 دولة إفريقية في شرق ووسط القارة. هذا الربط سيختصر المسافات ويسهل حركة البضائع بشكل كبير، مما يعزز التبادل التجاري والاستثمار المشترك.
- تنشيط الاقتصادات الإقليمية: يتوقع الخبراء الاقتصاديون أن يؤدي تنفيذ الجسر إلى إحداث نقلة نوعية في الاقتصادات الإقليمية، من خلال تنشيط قطاعات النقل والسياحة والإنشاءات، وخلق فرص عمل هائلة في الدولتين.
- الأهمية الجيوسياسية: المضيق هو أهم ممر مائي عالمي للسفن والتجارة، والجسر سيعزز من الأمن الإقليمي ويسهم في استقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي المضطربة عبر خلق مصالح اقتصادية مشتركة قوية.
التحديات والعوائق التي أدت إلى تعليق المشروع:
على الرغم من ضخامة الفكرة وجدواها الاقتصادية، واجه المشروع تحديات جمة أدت إلى تعليقه إلى أجل غير مسمى:
- التحديات الهندسية المعقدة: تشكل الأعماق الكبيرة لمضيق باب المندب (التي تصل إلى أكثر من 300 متر في بعض النقاط) تحدياً هندسياً هائلاً. يتطلب المشروع بناء جسر معلق بمسافات وارتفاعات كبيرة للسماح بعبور السفن التجارية العملاقة تحته بسهولة، مما يرفع من تكلفة التنفيذ وتعقيداته التقنية.
- الوضع الأمني والسياسي: كانت الاضطرابات السياسية والحرب الأهلية التي اندلعت في اليمن، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي، عوائق رئيسية أمام إطلاق المشروع. المستثمرون والممولون يحجمون عن ضخ عشرات المليارات في منطقة غير مستقرة أمنياً.
- التمويل العالمي: على الرغم من إثارة المشروع للاهتمام، فإن تأمين التمويل الضخم المطلوب (عشرات المليارات) ظل تحدياً كبيراً، خصوصاً مع تأثر الاقتصاد العالمي بأزمات متتالية بعد طرح الفكرة.
في الختام، يظل جسر القرن الإفريقي مشروعاً يمثل رؤية استراتيجية حقيقية لربط قارتين وإعادة تشكيل المشهد الاقتصادي واللوجستي لمنطقة حيوية. وعلى الرغم من أنه حبيس أدراج التخطيط حالياً، إلا أن أهميته الاستراتيجية تضمن بقاءه هدفاً لإعادة الإحياء كلما تحسنت الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المنطقة.