الهضاب الأوروبية:
تُشكل الهضاب (أو ما يُعرف أحياناً بالكتل المرتفعة القديمة) العمود الفقري للتضاريس في وسط وجنوب أوروبا. تختلف هذه الهضاب عن الجبال الالتوائية الحديثة (مثل جبال الألب) في كونها أكثر قدماً واستقراراً من الناحية الجيولوجية، حيث تعود أصول معظمها إلى الزمن الجيولوجي الأول (الحركة الهيرسينية). وبفعل عوامل التعرية الطويلة، تآكلت قممها وأصبحت ذات أسطح مستوية أو متموجة، مما جعلها مناطق مثالية للاستقرار البشري والنشاط الاقتصادي.
1. هضبة المزيتا (إسبانيا والبرتغال):
تعد هضبة المزيتا (Meseta Central) أقدم وأكبر الوحدات التضاريسية في شبه جزيرة أيبيريا، وهي تشغل نحو نصف مساحة إسبانيا.
- التقسيم الجغرافي: تنقسم الهضبة بواسطة "النظام المركزي" (سلسلة جبال داخلية) إلى قسمين؛ المزيتا الشمالية (أكثر ارتفاعاً وبرودة) والمزيتا الجنوبية (أكثر اتساعاً وانخفاضاً).
- المناخ والبيئة: تسود فيها ظروف قاسية تُعرف بـ "المناخ القاري المتطرف"، حيث الصيف شديد الحرارة والجفاف، والشتاء قارص البرودة.
- الأهمية البشرية: رغم جفافها، تم استصلاح أجزاء واسعة منها للزراعة (خاصة القمح والكروم)، وتعتبر مدينة "مدريد" أعلى عاصمة في أوروبا الغربية نظراً لوقوعها فوق هذه الهضبة على ارتفاع يصل لـ 660 متراً.
2. الهضبة الوسطى (فرنسا):
تُعرف بـ "Massif Central"، وهي كتلة جبلية وهضبية ضخمة تقع في قلب جنوب فرنسا، وتعتبر خزان المياه الرئيسي للبلاد.
- النشاط البركاني القديم: ما يميز هذه الهضبة هو وجود مئات المخاريط البركانية الخامدة (Puy)، والتي شكلت تضاريس فريدة من نوعها، خاصة في منطقة "أوفرني".
- الشبكة المائية: تنبع منها أنهار كبرى تتجه نحو كافة الجهات، مثل نهر اللوار ونهر الغارون، مما يجعلها نقطة استراتيجية لتوزيع الموارد المائية.
- الاقتصاد المحلي: تشتهر الهضبة بتربية سلالات راقية من الأبقار، وتُعد المركز الأول في فرنسا لإنتاج الأجبان التقليدية، بالإضافة إلى نشاطها السياحي المرتبط بالحمامات المعدنية والتنزه الجبلي.
3. هضبة بافاريا (ألمانيا):
تمتد هذه الهضبة في الجنوب الألماني، وتُعرف أحياناً بـ "هضبة سوابيا وبافاريا"، وهي منطقة انتقالية تقع بين جبال الألب الشاهقة ونهر الدانوب.
- التأثير الجليدي: تشكلت ملامح هذه الهضبة بفعل الأنهار الجليدية في العصور القديمة، والتي تركت وراءها تربة خصبة ومجموعة من البحيرات العذبة الخلابة مثل بحيرة "كيمزي".
- الغطاء النباتي والزراعة: تغطي الغابات الكثيفة (مثل الغابة السوداء القريبة منها) أجزاء واسعة، بينما تُستغل السهول الهضبية في زراعة الشعير والمحاصيل العلفية.
- الثقل الصناعي: تضم هذه الهضبة كبرى المدن الألمانية مثل ميونيخ، مما يجمع بين جمال الطبيعة الهضبية وأعلى مستويات التطور التكنولوجي في أوروبا.
4. هضبة بوهيميا (وسط أوروبا):
تتوزع هذه الهضبة بشكل أساسي في جمهورية التشيك وتتدخل في حدود ألمانيا والنمسا، وهي عبارة عن منخفض هضبي محاط بسلاسل جبلية من جميع جهاتها.
- الثروات المعدنية: تعتبر من أغنى مناطق أوروبا بالمعادن، حيث تحتوي على رواسب الفحم، والحديد، واليورانيوم، مما جعلها تاريخياً منطقة صراع دولي لأهميتها الاستراتيجية.
- الصناعة والزراعة: بفضل وفرة المياه (نهر إلبه ونهر فلتافا) والموارد الطبيعية، نشأت فيها صناعات الزجاج والسيارات والمنسوجات، إلى جانب زراعة البنجر السكري والحبوب.
5. هضبة الأردين (بلجيكا ولوكسمبورغ وفرنسا):
تقع في شمال غرب القارة، وهي هضبة قليلة الارتفاع نسبياً لكنها وعرة ومغطاة بغابات كثيفة من البلوط والصنوبر.
- الأهمية التاريخية والعسكرية: نظراً لطبيعتها الوعرة وغاباتها الكثيفة، كانت الأردين دائماً عائقاً طبيعياً ومسرحاً لمعارك كبرى في الحربين العالميتين.
- السياحة البيئية: تعتبر اليوم ملاذاً لمحبي الطبيعة والصيد، وتلعب دوراً كبيراً في السياحة الريفية في دول "البنلوكس".
الخصائص المشتركة والأهمية الاستراتيجية للهضاب:
عند النظر إلى الهضاب الأوروبية ككل، نجد أنها تشترك في نقاط جوهرية:
- توزيع السكان: تمثل هذه الهضاب مناطق تركز سكاني متوسط إلى مرتفع، حيث توفر مناخاً أكثر اعتدالاً من القمم الجبلية وأقل رطوبة من السهول المنخفضة.
- خزانات الطاقة: بفضل الوديان العميقة التي حفرتها الأنهار في صخور الهضاب، تم إنشاء السدود العملاقة لتوليد الطاقة الكهرومائية، خاصة في فرنسا وإسبانيا.
- التنوع الحيوي: تعد الهضاب معاقل للغابات الطبيعية والحياة البرية التي انحسرت من السهول بسبب التوسع العمراني.