أثر التقنيات السيسمولوجية وصوتية الصدى في كشف أسرار الجرف والمنحدر القاري: الخصائص الجيومورفولوجية والتوزيع الجغرافي العالمي

تطور جيولوجيا قيعان البحار من الاستكشافات التقليدية إلى التقنيات الحديثة:

يُعد عالم ما تحت البحار الحدود الأخيرة للاكتشافات الجغرافية على كوكبنا؛ فمنذ ولادة علم جيولوجيا البحار في القرن العشرين، تحولت نظرتنا للقاع من مجرد أعماق مظلمة ومجهولة إلى تضاريس معقدة تروي قصة تشكل القارات وتغيرات المناخ القديم. بين أرصفة قارية ضحلة غنية بالموارد، ومنحدرات شاهقة تخفي أسرار العمليات التكتونية، يبرز الهامش القاري كحلقة وصل حيوية تجمع بين ثروات اليابسة وأسرار المحيطات، وهو ما تسعى هذه الدراسة لاستعراضه من خلال تتبع تطور تقنيات الاستكشاف وفهم الخصائص الجيومورفولوجية لهذه البيئات الفريدة.


أولاً: نشأة جيولوجيا البحار وتطورها التاريخي

شهد القرن العشرين ولادة فرع حيوي ومستقل في العلوم الطبيعية وهو "جيولوجيا قيعان البحار" (Submarine Geology). لم يكن هذا العلم مجرد ترف معرفي، بل جاء نتيجة حاجة ملحة لفهم طبوغرافية العالم الغارق الذي يغطي أكثر من 70% من كوكب الأرض.

لقد لعبت الاستكشافات النفطية دوراً جوهرياً كقوة دافعة لهذا العلم؛ فعمليات التنقيب في الأرصفة القارية بحثاً عن البترول والغاز وفرت بيانات جيولوجية هائلة عن تكوين القشرة المحيطية. قبل هذا التطور، كانت المعرفة البشرية بالأعماق محدودة وساذجة، حيث اعتمدت على "الطرق التقليدية" مثل الحبال والأسلاك المثقلة بالأوزان (كما حدث في بعثتي تشالنجر 1876م وبليك 1879م).

عيوب الطرق القديمة:

  • استهلاك الجهد والوقت: كانت عملية إنزال الحبال لمسافات آلاف الأمتار تستغرق ساعات طويلة.
  • انعدام الدقة: كانت التيارات البحرية تحرف الأسلاك عن مسارها الرأسي، مما يعطي قراءات خاطئة للأعماق.
  • الصعوبات التقنية: كانت عملية رفع الأسلاك بعد إنزالها تمثل عبئاً ميكانيكياً كبيراً.

ثانياً: الثورة التقنية في استكشاف الأعماق

انتقلت دراسة البحار من التخمين إلى اليقين بفضل ابتكارات تكنولوجية غيرت وجه العلم:

  1. تقنية صدى الصوت (Sonar): اعتبرت النقلة النوعية الأهم، حيث تعتمد على إرسال موجات صوتية وحساب الزمن المستغرق لارتدادها من القاع، مما سمح برسم خرائط دقيقة عبر آلاف القراءات المتلاحقة.
  2. التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني: وفر التصوير تحت الماء رؤية بصرية مباشرة لنوعية الصخور والبيئة الحيوية، ورغم أن التصوير التلفزيوني عالي التكلفة وقليل الاستخدام، إلا أنه منح العلماء "عيوناً" في الظلام الدامس للأعماق.
  3. أدوات سبر التربة: تم ابتكار أجهزة متخصصة مثل "الكباشات" لالتقاط عينات عشوائية، و"بريمة الأعماق" للحصول على عينات أسطوانية تمثل تتابع الطبقات الرسوبية.
  4. الدراسات السيزمولوجية (الزلزالية): استُخدمت الموجات الاهتزازية لتحديد سمك الطبقات الرسوبية ومعرفة بنية القشرة الأرضية تحت القاع.

ثالثاً: الجرف القاري (Continental Shelf)

يعتبر الجرف القاري الامتداد الطبيعي والمغمور للقارة تحت مياه ضحلة تُعرف بـ "بحار الجرف".

  • التعريف القانوني والجغرافي: بموجب قانون البحار التابع للأمم المتحدة، يُعتبر الجرف القاري ملكية قانونية للدولة الساحلية المجاورة له.
  • الأبعاد والخصائص:

  1. العرض: يبلغ متوسط عرضه حوالي 80 كم، لكنه يتفاوت بشكل هائل؛ فقد يختفي تماماً في السواحل "النشطة" (مثل تشيلي وسومطرة) حيث تصطدم الصفائح التكتونية، بينما يصل إلى 1500 كم في "الجرف السيبيري" بالمحيط المتجمد الشمالي.
  2. العمق والمنحدر: غالباً ما يكون العمق أقل من 100 متر، ويمتاز بانحدار بسيط جداً (حوالي 0.5 درجة)، مما يجعله يبدو كسهل مستوٍ تقريباً.
  • الأقسام: يُقسم الجرف إلى ثلاثة مناطق (داخلي، أوسط، وخارجي)، ولكل منطقة خصائص بيولوجية وجيومورفولوجية تميزها.

رابعاً: المنحدر والارتفاع القاري

عند حافة الجرف القاري، يحدث انكسار مفاجئ في التضاريس يُعرف بـ "كسر الرف" (Shelf Break)، وهو ما يمثل بداية المنحدر القاري (Continental Slope).

  • المنحدر القاري: هو الجزء الأكثر انحداراً، حيث تتراوح زاوية ميلانه بين 3 إلى 10 درجات. يتميز بوجود "أخاديد الغواصات" التي تقطعه بشكل رأسي، وهي ظاهرة لم تُفهم آليتها الفيزيائية بدقة إلا في ستينيات القرن الماضي.
  • الارتفاع القاري (Continental Rise): يقع عند قاعدة المنحدر، ويمثل منطقة تراكم الرواسب التي انزلقت من القارة. يمتد لمسافة تصل إلى 500 كم، وتتكون تضاريسه من "كومات رسوبية" ناتجة عن تيارات التعكر، ليكون منطقة انتقالية بين المنحدر وسهول الأعماق (السحيقة).

خامساً: طبيعة الرواسب وتأثير العصور الجليدية

تعتبر الرفوف القارية مخازن ضخمة للرواسب "الأصلية" الناتجة عن تآكل اليابسة.

  1. رواسب تاريخية: من المثير للدهشة أن 60-70% من رواسب الجرف الحالية هي "رواسب قديمة" ترسبت خلال العصر الجليدي الأخير، عندما كان مستوى سطح البحر منخفضاً بمقدار 100-120 متراً، مما جعل هذه الأرصفة يابسة مكشوفة آنذاك.
  2. التوزيع المكاني: تخضع الرواسب لقاعدة التدرج؛ حيث توجد الرمال الخشنة في المناطق القريبة من الشاطئ (بسبب طاقة الأمواج)، بينما يترسب الطمي والطين الناعم في المياه العميقة الهادئة بعيداً عن الساحل.
  3. معدل التراكم: تمتاز هذه المناطق بمعدل ترسيب سريع نسبياً (15 إلى 40 سم كل ألف عام)، وهو معدل يفوق بكثير ما يحدث في قيعان المحيطات المفتوحة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال