الآليات الجيومورفولوجية لنشأة الخوانق البحرية: من التفاعل القاري البحري في النظرية المركبة إلى دور الضغوط الارتوازية عند جونسون

النظرية المركبة ونظرية الينابيع العذبة لجونسون لنشأة الخوانق البحرية:

تُعد الخوانق البحرية من أكثر الظواهر التضاريسية إثارة للجدل في علم جيومورفولوجيا البحار والمحيطات، فهي أودية سحيقة تشق المنحدرات القارية بأعماق وتفاصيل تشبه إلى حد كبير الأودية النهرية على اليابسة. وقد أدى تعقيد تركيبها ومواقعها الغارقة إلى تعدد الرؤى العلمية حول أصل نشأتها؛ فبينما اتجهت النظرية المركبة نحو الدمج بين التأثيرات البرية والبحرية كعملية تكاملية، ذهب العالم جونسون إلى تقديم تفسير فريد يربط بين التدفقات الارتوازية والمياه الجوفية وبين نحت هذه الأخاديد العميقة.

أولاً: النظرية المركبة (Compounded Theory)

تُعد هذه النظرية بمثابة "الحل الوسط" أو التفسير التكاملي، حيث ترفض حصر نشأة الخوانق في عامل واحد فقط، وتتبنى فكرة تضافر العوامل القارية والبحرية معاً.

1. النشأة القارية (العوامل البرية):

ترى النظرية أن أجزاءً من الخوانق البحرية، خاصة تلك القريبة من السواحل، بدأت كأودية نهرية عادية فوق سطح الأرض خلال فترات انخفاض منسوب مياه البحر (كما حدث في العصور الجليدية). في ذلك الوقت، قامت الأنهار بنحت مجاري عميقة في الرصيف القاري.

2. النشأة البحرية (العوامل المائية):

بعد ارتفاع منسوب البحر وغمر هذه الأودية، لم يتوقف تشكيل الخوانق، بل استمر بفعل التيارات البحرية العنيفة، وتيارات العكر (Turbidity Currents)، والانزلاقات الأرضية تحت الماء، مما أدى إلى تعميق هذه الخوانق وامتدادها لمسافات طويلة داخل المنحدر القاري.

الخلاصة: النظرية المركبة تؤكد أن الهيكل الأساسي قد يكون قارياً، لكن الصقل النهائي والامتداد العميق هو نتاج عمليات بحرية بحتة.

 

ثانياً: نظرية الينابيع العذبة لجونسون (1939م)

قدم الجيولوجي "دوجلاس جونسون" فرضية فريدة تبتعد عن التفسيرات التقليدية (النهرية أو التيارات البحرية)، وتركز على دور المياه الجوفية.

1. آلية الضغط الارتوازي:

تعتمد الفرضية على وجود طبقات صخرية حاملة للمياه (Aquifers) تمتد من اليابس إلى أسفل قاع البحر. وبسبب فرق المنسوب والضغط الارتوازي العالي، تندفع المياه العذبة بقوة من خلال فتحات أو "ينابيع" موجودة على المنحدر القاري تحت سطح البحر.

2. عملية النحت والتآكل:

هذا التدفق المستمر والقوي للمياه العذبة يؤدي إلى:

  • التآكل الميكانيكي: دفع الرواسب وتفتيتها بفعل قوة اندفاع المياه.
  • الإذابة الكيميائية: خاصة إذا كانت الصخور جيرية، حيث تعمل المياه العذبة على إذابة الصخور وتوسيع الشقوق.
  • الانهيارات: يؤدي خروج المياه إلى إضعاف تماسك التربة في المنحدر القاري، مما يسبب انهيارات أرضية موضعية تساهم في تكوين شكل "الخانق".

3. التطبيق الجيومورفولوجي (إقليم فلوريدا):

استشهد جونسون بساحل فلوريدا في الولايات المتحدة كنموذج تطبيقي لنظريته، حيث لاحظ وجود رؤوس لخوانق بحرية شديدة الانحدار تقع في مناطق تتوفر فيها ينابيع مياه عذبة غزيرة تحت سطح الماء، مما جعل هذه النظرية تفسيراً مقبولاً لبعض الحالات الخاصة التي لا تتوفر فيها مصبات أنهار كبيرة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال