التربة الرملية الجيرية (الكركار):
تُعد تربة "الكركار" أو التربة الرملية الجيرية من أهم المكونات البيئية والجغرافية في منطقة السهل الساحلي، حيث تجمع في خصائصها بين الطبيعة الرملية والتركيب الكيميائي الجيري، مما يمنحها خصوصية عالية من حيث التكوين والاستخدام.
فيما يلي عرض مفصل وشامل لكل ما يتعلق بهذه التربة:
أولاً: المفهوم والانتشار الجغرافي
تُعرف تربة الكركار بأنها نوع من التربة الانتقالية التي تتشكل فوق تلال صخرية تُسمى "تلال الكركار". وتنتشر هذه التربة بشكل واسع في إقليم السهول الساحلية، حيث تمتد في شريط طولي يبدأ من حدود مدينة رفح جنوباً، ويمتد شمالاً بمحاذاة ساحل البحر المتوسط حتى يصل إلى رأس الناقورة.
هذا التوزيع الجغرافي جعلها التربة المهيمنة على معظم المناطق الساحلية التي استوطنها الإنسان منذ القدم نظراً لسهولة تضاريسها المتموجة والمنبسطة.
ثانياً: الأصل والنشأة الجيولوجية
يعود أصل تربة الكركار إلى الكثبان الرملية القديمة التي ترسبت بفعل الرياح والأمواج عبر العصور الجيولوجية. ومع مرور الزمن، تعرضت هذه الكثبان لعملية "تثبيت" وتصلب، حيث ترسبت المواد الكلسية بين حبات الرمل لتعمل كمادة لاحمة، فتشكلت على هيئة أشرطة طولية موازية للشاطئ.
ثالثاً: العمليات الكيميائية والمكونات
تكونت هذه التربة من خلال عمليات جيوفيزيائية وكيميائية معقدة، أبرزها:
- التجوية الكيميائية: عملت مياه الأمطار المتسربة عبر المسام على إذابة أجزاء من الكربونات الموجودة في الصخر الأم (الكركار).
- عملية الغسل: بعد إذابة الكربونات، يتم غسلها ونقلها إلى طبقات أعمق، مما يؤدي إلى زيادة تركيز الرمل في الطبقة السطحية.
- التركيب المعدني: يغلب عليها الرمل بنسبة 70%، بينما يشكل الكلس (المواد الجيرية) نسبة 30%.
- العناصر النادرة: لوحظ وجود زيادة طفيفة في نسب السيليكا، والألومنيا، وأكسيد الحديد، وهو ما يفسر ظهورها غالباً بـ اللون الأحمر الجذاب نتيجة تأكسد الحديد.
رابعاً: الخصائص المناخية والتضاريسية
ترتبط تربة الكركار بظروف بيئية محددة تساعد في الحفاظ على توازنها:
- المناخ: تقع ضمن نطاق مناخ البحر المتوسط المعتدل، حيث يبلغ متوسط درجة الحرارة السنوي نحو 19 درجة مئوية.
- الأمطار: تتراوح معدلات الأمطار السنوية في مناطق انتشارها بين 250 إلى 500 ملم، وهي كمية كافية لحدوث عمليات التحلل الكيميائي المذكورة سابقاً.
- التضاريس: تتميز الأراضي التي تغطيها هذه التربة بأنها منبسطة إلى متموجة قليلاً، مما يقلل من حدة انجراف التربة ويسهل عمليات الاستصلاح والري.
خامساً: القيمة الزراعية والاستخدامات
من الناحية الإنتاجية، تُصنف تربة الكركار بأنها تربة فقيرة نسبياً في حالتها الطبيعية؛ وذلك بسبب نفاذيتها العالية للمياه وافتقارها للمواد العضوية الكافية. ومع ذلك، يمكن تحويلها إلى جنات زراعية خضراء باتباع الآتي:
- توفير مياه الري: تعتبر المياه هي المفتاح السحري لهذه التربة؛ فبمجرد توفر الري الدائم، تصبح من أفضل الترب لنمو المحاصيل التي تحتاج إلى تهوية جيدة للجذور.
- أهم المحاصيل: تشتهر هذه التربة تاريخياً بأنها البيئة المثالية لزراعة بيارات الحمضيات (البرتقال والليمون)، كما تنجح فيها بشكل باهر زراعة الخضراوات والبطاطا، لقدرتها على تصريف المياه الزائدة ومنع تعفن الجذور.