مستشفيات ومراكز الرعاية الصحية في رفح بين الاستنزاف الهيكلي وخطط الصمود: دراسة لخارطة الخدمات الطبية في ظل الأزمات الإنسانية المتعاقبة

المستشفيات والمراكز الصحية في رفح فلسطين:

يحمل قطاع الصحة في مدينة رفح الفلسطينية (جنوب قطاع غزة) طابعاً استثنائياً فرضته الأحداث الكارثية والتحولات البنيوية العميقة التي شهدها القطاع. فقد تحولت رفح من مدينة حدودية تعتمد على مستشفيات محلية محدودة القدرة الاستيعابية، إلى بؤرة استقطاب صحي وإنساني شديد التعقيد، تداخلت فيه الهياكل الحكومية المنهكة مع منظومة المستشفيات الميدانية الدولية لمواجهة تداعيات الحرب والنزوح، وضمان استمرار تقديم الرعاية الطبية في ظل الحصار وشح الإمدادات.

فيما يلي موضوع مفصل ومتكامل يستعرض واقع المستشفيات والمراكز الصحية في رفح، تحولاتها البنيوية، وأبرز المرافق القائمة والتحديات التي تواجهها.


أولاً: التحول الهيكلي للمنظومة الصحية في رفح

تاريخياً، كانت رفح تعتمد على منظومة صحية تقدم رعاية ثانوية وأولية، بينما تُحال الحالات المعقدة والجراحية الكبرى إلى "مجمع ناصر الطبي" أو "مستشفى غزة الأوروبي" في خان يونس. ومع ذلك، فرضت تداعيات الحرب والدمار الذي لحق بالبنية التحتية الطبية في شمال ووسط القطاع، وتحول رفح إلى ملاذ لمئات آلاف النازحين، صياغة نمط استجابة استثنائي تمثل في:

  • خروج المستشفيات الثابتة عن الخدمة التامة أو الجزئية: نتيجة الاستهداف المباشر، ونقص الوقود، وحصار الممرات الطبية.
  • الاعتماد المحوري على المستشفيات الميدانية (Field Hospitals): والتي أقامتها منظمات دولية ودول صديقة لسد الفجوة الهائلة في غرف العمليات وأسرة العناية المركزة.
  • عيادات الإيواء والنقاط الطبية: تحول ما تبقى من مدارس ومراكز إيواء تابعة للأونروا إلى نقاط طبية بديلة لتقديم الحد الأدنى من العلاج الجاري وخدمات الرعاية الأولية.


ثانياً: أبرز المستشفيات والمرافق الطبية في رفح ووضعها الحالي

تتوزع الخارطة الاستشفائية في رفح بين منشآت حكومية وأهلية كلاسيكية، ومستشفيات ميدانية مستحدثة:

1. مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار الحكومي:

هو المستشفى الحكومي العام الوحيد في المحافظة قبل الحرب، والركيزة الأساسية للرعاية الثانوية. عانى المستشفى تاريخياً من صغر حجمه (طاقة استيعابية لا تتجاوز 60 سريراً) مقارنة بالكثافة السكانية. وخلال الأزمات المتعاقبة، خرج المستشفى عن الخدمة بشكل متكرر نتيجة وقوعه في مناطق العمليات العسكرية المباشرة وإخلائه قسراً، مما شكّل صدمة كبرى للمنظومة الصحية المحلية، وتحاول الطواقم الطبية إعادة تشغيل أجزاء منه كلما سمحت الظروف الميدانية.

2. مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني الميداني / مستشفى الصليب الأحمر الميداني:

يقع في منطقة المواصي/رفح، ويعد أحد أهم وأبرز خطوط الدفاع الطبية المستمرة في جنوب القطاع. أقيم هذا المستشفى بالشراكة بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر و16 جمعية وطنية (أبرزها الصليب الأحمر النرويجي) بالتنسيق مع الهلال الأحمر الفلسطيني. يخضع المرفق دورياً لعمليات تجديد وإعادة تأهيل هيكلي، وتمت توسعة قدرته الاستيعابية إلى أكثر من 70 سريراً. يضم غرف عمليات متطورة، قسماً للطوارئ والفرز، ومصلحة لرعاية الأمومة والطفولة، وتعمل عيادته الخارجية كمركز رئيسي شبه وحيد لتقديم الرعاية الأولية في المنطقة.

3. مستشفى الإماراتي للولادة (مستشفى الهلال الإماراتي):

مستشفى تخصصي يعنى بالنساء والتوليد ورعاية المواليد (الخدج). تحمل هذا المستشفى عبئاً هائلاً لا يتناسب مطلقاً مع قدرته اللوجستية، حيث شهد فترات ذروة أجرى فيها أطباؤه عشرات عمليات الولادة القيصرية والطبيعية يومياً في ظل غياب التخدير الكافي والمستلزمات المعقمة، ولا يزال يكافح للحفاظ على حياة المواليد بالحد الأدنى من حاضنات الأطفال المتوفرة.

4. المستشفى الميداني التابع للهيئة الطبية الدولية (International Medical Corps):

أحد المستشفيات الميدانية الكبرى التي أقيمت في منطقة "ميراغ-رفح" قبل أن تفرض التطورات العسكرية نقل وتجميع بعض عملياته اللوجستية نحو وسط القطاع (المواصي وخان يونس ودير البلح). قدم هذا المستشفى خدمات جراحية طارئة لآلاف المصابين والجرحى، وشكّل عصب الرعاية الميدانية المتنقلة.

5. مستشفى الكويتي التخصصي:

مستشفى أهلي صغير لعب دوراً بطولياً في استقبال مئات الشهداء والجرحى في وسط مدينة رفح خلال فترات اشتداد القصف، بالرغم من تواضع إمكانياته المادية وعدم تجهيزه مسبقاً للتعامل مع إصابات الحروب البليغة، وقد أجبرت الظروف الأمنية طواقمه على الإخلاء والعمل من نقاط طبية بديلة في تجمعات خيام النازحين.


ثالثاً: مراكز الرعاية الصحية الأولية والنقاط الطبية

تدير وزارة الصحة الفلسطينية بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) شبكة من المراكز الطبية الجوارية، إلا أن خارطتها تغيرت بالكامل:

  • مراكز الأونروا الصحية: مثل "مركز رفح الصحي" ومراكز تل السلطان والشابورة. خرج بعضها عن الخدمة نتيجة التدمير، بينما تحول البعض الآخر إلى مخازن ومقرات إغاثية طبية تقدم الفحوصات الأساسية وتوزيع الأدوية الشحيحة للأمراض المزمنة (كالسكري والضغط).
  • النقاط الطبية في المخيمات: نقاط إسعافية مقامة داخل الخيام وبقايا المنشآت التعليمية، يشرف عليها أطباء وممرضون متطوعون لتقديم الغيارات على الجروح، والتطعيمات الأساسية للأطفال، ومحاولة الحد من انتشار الأوبئة المعوية والجلدية.


رابعاً: التحديات الإنسانية والتشغيلية القاتلة

تواجه الطواقم الطبية في مستشفيات رفح ظروفاً توصف دولياً بأنها "تحدٍ لقوانين الطبيعة والطب"، وتتمثل أبرز العقبات في:

  • الاستنزاف الحاد للمستلزمات الطبية والأدوية: وصول نسبة العجز في الأدوية الأساسية والمستهلكات الجراحية وأكياس الدم وأدوية التخدير إلى مستويات كارثية (تتجاوز 50% من القائمة الأساسية)، مما يعيق إجراء العمليات المنقذة للحياة.
  • أزمة الطاقة والوقود الشديدة: تعتمد المستشفيات الميدانية والثابتة كلياً على المولدات الكهربائية. ويتسبب التذبذب المستمر في دخول شاحنات الوقود عبر المعابر (مثل معبر رفح وكرم أبو سالم) في تهديد حياة المرضى بداخل غرف العناية المركزة وحاضنات الأطفال دورياً.
  • الضغط الديموغرافي الهائل وانتشار الأوبئة: تسبب الاكتظاظ المليوني في مراكز النزوح والمواصي في انتشار أمراض مثل التهاب الكبد الوبائي (أ)، النزلات المعوية الحادة، والأمراض الجلدية المعدية، مما يغرق مراكز الرعاية الأولية المتبقية بآلاف المراجعين يومياً.
  • خسارة الكوادر البشرية وتعبها: فقدان القطاع الصحي لنسبة كبيرة من أطبائه وممرضيه جراء الاستهداف، فضلاً عن الإنهاك البدني والنفسي التام للطواقم التي تعمل لشهور طويلة دون تلقي رواتب منتظمة وفي ظروف نزوح شخصية قاسية.


خامساً: مساعي الاستدامة الطبية

بالرغم من قتامة المشهد، تسعى المنظمات الدولية والمحلية لفرض آليات صمود مستمرة، من بينها:

  • تحويل خطط المستشفيات الميدانية (كالمستشفى الميداني للصليب الأحمر) من حلول مؤقتة مدتها شهور، إلى مشاريع ممتدة لسنوات (حتى عام 2027) عبر إدخال وحدات بناء صلبة مسبقة الصنع وترميم الخيام البالية.
  • التركيز المتزايد على خدمات التأهيل الطبي والعلاج الطبيعي لآلاف المصابين الذين بترت أطرافهم أو يعانون من إعاقات دائمة، بالرغم من المنع المستمر لدخول المواد الخام اللازمة لصناعة الأطراف الاصطناعية.
  • محاولات تفعيل منظومة "الإجلاء الطبي" عبر المعابر لنقل الجرحى ومرضى السرطان والحالات المستعصية لتلقي العلاج في الخارج، وهي عملية تخضع لتعقيدات سياسية وأمنية بالغة وتتوقف فجأة لفترات طويلة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال