التعددية العقدية والمذهبية فوق التراب الفلسطيني: من جذور المسيحية الأولى إلى الحضور الإسلامي وتنوع الطوائف المعاصرة

الانتماءات الدينية في فلسطين:

تُعد فلسطين واحدة من أكثر بقاع الأرض تنوعاً من الناحية الدينية والطائفية عبر التاريخ، فهي ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي مهد للديانات السماوية ونقطة التقاء حضارية فريدة. يتشكل النسيج السكاني الفلسطيني من أغلبية مسلمة وأقلية مسيحية ضاربة في الجذور، بالإضافة إلى طوائف دينية صغيرة ومميزة، تعيش جميعها ضمن إطار وطني واحد.

فيما يلي استعراض مفصل لهذه الانتماءات:


أولاً: الإسلام (الدين الأغلب)

يشكل المسلمون الغالبية العظمى من سكان فلسطين في الضفة الغربية، قطاع غزة، والداخل الفلسطيني (أراضي 1948).

  • المذهب السني: ينتمي الغالبية الساحقة من مسلمي فلسطين إلى المذهب السني، ويتبع معظمهم تاريخياً المذهب الشافعي، مع وجود ملحوظ للمذهب الحنفي خاصة في المسائل القضائية والأحوال الشخصية المتوارثة من العهد العثماني.
  • الطرق الصوفية: تمتلك الصوفية تاريخاً عريقاً في فلسطين، ولا تزال بعض الطرق نشطة في مدن مثل القدس، نابلس، والخليل، مثل الطريقة القادرية والشاذلية، وهي تمارس أدواراً دينية واجتماعية وتربوية.
  • الأهمية الدينية: يرتبط الإسلام في فلسطين ارتباطاً وثيقاً بمدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك، والمسجد الإبراهيمي في الخليل، مما يضفي صبغة دينية مقدسة على الهوية الوطنية الفلسطينية.


ثانياً: المسيحية (حراس الجذور)

يُعتبر المسيحيون الفلسطينيون من أقدم الجماعات المسيحية في العالم، وهم يُعرفون بـ "الأحجار الحية" نظراً لاستمرار وجودهم في هذه الأرض منذ فجر المسيحية.

  • كنيسة الروم الأرثوذكس: تعد أكبر الطوائف المسيحية عدداً في فلسطين، وتتبع بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس، وتنتشر رعايتها في مختلف المدن والقرى.
  • الكنيسة الكاثوليكية (اللاتين): لها حضور قوي ومؤسسات تعليمية وصحية واسعة الانتشار، وتتبع البطريركية اللاتينية في القدس.
  • كنيسة الروم الكاثوليك (الملكيين): يتواجد أبناؤها بكثرة في منطقة الجليل وحيفا وبعض مناطق الضفة الغربية.
  • الطوائف الشرقية الأخرى: تشمل السريان الأرثوذكس، الأرمن الأرثوذكس (الذين يمتلكون حياً خاصاً في القدس القديمة)، الأقباط الأرثوذكس، والأحباش.
  • الكنائس البروتستانتية والأنغليكانية: نشأت نتيجة للبعثات التبشيرية في القرن التاسع عشر، ولها حضور ثقافي ومؤسساتي بارز.


ثالثاً: الطائفة السامرية (أصغر طائفة دينية)

تُعد الطائفة السامرية من أكثر الجماعات تميزاً في فلسطين، ويصفون أنفسهم بأنهم "الحراس الحقيقيون" لشريعة موسى.

  • الموقع: يتركز وجودهم في مدينة نابلس وتحديداً فوق قمة جبل جرزيم، بالإضافة إلى منطقة "حولون" في الداخل.
  • المعتقد: يؤمنون بالأسفار الخمسة الأولى من التوراة فقط، ويعتبرون جبل جرزيم هو المكان المقدس وليس القدس. يتحدثون اللغة العربية كفلسطينيين، لكن لغتهم الدينية هي العبرية القديمة.
  • الوضع الاجتماعي: يعيش السامريون كجزء لا يتجزأ من المجتمع النابلسي، ويحملون الجنسية الفلسطينية ولهم تمثيل في المجلس التشريعي الفلسطيني.


رابعاً: طائفة الموحدين الدروز

يتواجد أبناء الطائفة الدرزية بشكل أساسي في المناطق الشمالية من فلسطين (الجليل والكرمل).

  • الهوية والانتشار: يتركزون في قرى ومدن مثل دالية الكرمل، يركا، وبيت جن.
  • الخصوصية: رغم جذورهم العربية والإسلامية التاريخية، إلا أنهم يشكلون كياناً دينياً مستقلاً بتقديراتهم الروحانية الخاصة. يعيشون ضمن واقع سياسي معقد في الداخل الفلسطيني أدى إلى تباينات في علاقتهم مع المؤسسات المختلفة.

خامساً: البهائية (المركز الروحي العالمي)

رغم أن عدد الفلسطينيين البهائيين قليل جداً، إلا أن فلسطين (وتحديداً مدينتي حيفا وعكا) تعتبر المركز الروحي الأول للبهائيين في العالم.

  • المقدسات: تضم حيفا "جبل الكرمل" حيث يوجد مرقد "الباب" بحدائقه المعلقة الشهيرة، وتضم عكا مرقد "بهاء الله" (قصر البهجة)، وهو أقدس الأماكن لدى أتباع هذه الديانة الذين يأتون للحج من كافة أنحاء العالم.

سادساً: التوزيع الجغرافي والديمغرافي

  • القدس: تمثل بؤرة التنوع، حيث تتداخل فيها الأحياء الإسلامية والمسيحية والأرمنية، وتعتبر مختبراً للعيش المشترك رغم التحديات السياسية.
  • الضفة الغربية: يسود فيها الإسلام السني مع تركز مسيحي في بيت لحم، بيت جالا، بيت ساحور، رام الله، وجفنا.
  • قطاع غزة: أغلبية ساحقة من المسلمين مع أقلية مسيحية صغيرة جداً (معظمهم من الأرثوذكس) تتركز في مدينة غزة.
  • الداخل الفلسطيني (1948): يضم التنوع الأكبر بين مسلمين، مسيحيين، دروز، وبهائيين.

ملاحظة ختامية: يتميز المجتمع الفلسطيني تاريخياً بأن الانتماء الوطني يتجاوز الانتماء الطائفي، حيث يشارك الجميع في المناسبات الدينية والوطنية، وتعتبر الكنيسة والمسجد رمزين للوحدة في مواجهة التحديات المشتركة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال