التنظيم القضائي الفلسطيني المعاصر: قراءة مفصلة في تراتبية المحاكم النظامية، الدينية، والإدارية، والدور الرقابي للمحكمة الدستورية العليا

المحاكم في فلسطين:

تتمتع فلسطين بنظام قضائي متعدد الطبقات، يستمد جذوره من مزيج من القوانين التاريخية (العثمانية، والبريطانية، والأردنية، والمصرية) بالإضافة إلى التشريعات الصادرة عن السلطة الوطنية الفلسطينية. يُنظم عمل هذه المحاكم "قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002".

فيما يلي عرض مفصل ومتكامل لأنواع المحاكم في فلسطين واختصاصاتها:

أولاً: المحاكم النظامية (القضاء العادي)

تعتبر المحاكم النظامية صاحبة الولاية العامة، حيث تختص بنظر جميع المنازعات المدنية والتجارية والجزائية، باستثناء ما رُفع عنها بنص خاص. وتتدرج هذه المحاكم في مستويات لضمان مبدأ التقاضي على درجات:

1. محاكم الصلح:

هي القاعدة العريضة للهرم القضائي وتوجد في أغلب المدن والبلدات. تنظر في القضايا البسيطة نسبياً (الجنح والمخالفات في الشق الجزائي، والقضايا المدنية التي لا تتجاوز قيمة معينة يحددها القانون).

2. محاكم البداية:

تمتلك هذه المحاكم صفتين:

  • بصفتها محكمة أول درجة: تنظر في القضايا الكبيرة (الجنايات، والقضايا المدنية ذات القيمة العالية) التي تخرج عن اختصاص محكمة الصلح.
  • بصفتها الاستئنافية: تنظر في الطعون المقدمة ضد الأحكام الصادرة عن محاكم الصلح.

3. محاكم الاستئناف:

توجد في مراكز المحافظات الكبرى، وتختص بنظر الطعون المقدمة في الأحكام الصادرة بصفة ابتدائية عن محاكم البداية. وتعد هذه المرحلة هي الدرجة الثانية من درجات التقاضي الموضوعي.

4. محكمة النقض (المحكمة العليا):

تقبع في قمة الهرم القضائي النظامي. وظيفتها الأساسية هي مراقبة حسن تطبيق القانون، فهي لا تنظر في وقائع القضية مجدداً بل تدقق في مدى التزام المحاكم الدنيا بصحيح القانون.


ثانياً: المحاكم الدينية (قضاء الأحوال الشخصية)

على خلاف المحاكم النظامية، تختص المحاكم الدينية بمسائل الأحوال الشخصية (الزواج، الطلاق، الحضانة، الميراث) بناءً على الدين أو الطائفة، وتنقسم إلى:

1. المحاكم الشرعية:

تختص بالنظر في شؤون المسلمين، وتطبق أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين المستمدة منها (مثل قانون الأحوال الشخصية). وتتكون من محاكم ابتدائية ومحكمة استئناف شرعية.

2. محاكم الطوائف الدينية (المحاكم الكنسية):

تختص بالنظر في مسائل الأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين، ولكل طائفة معترف بها محكمتها الخاصة التي تطبق قوانينها الكنسية الخاصة بها.


ثالثاً: القضاء الإداري

كانت المحكمة العليا تقوم بمهام "محكمة العدل العليا" للنظر في المنازعات التي تكون الدولة طرفاً فيها (مثل إلغاء القرارات الإدارية). ومع التطور القانوني، تم التوجه نحو إنشاء نظام قضاء إداري متخصص ومستقل يضم:

  • المحاكم الإدارية: تنظر في الطعون الموجهة ضد القرارات الإدارية الصادرة عن الإدارة العامة.
  • المحكمة الإدارية العليا: وهي أعلى سلطة في القضاء الإداري.

رابعاً: المحاكم المتخصصة والخاصة

أنشئت هذه المحاكم للنظر في قضايا ذات طبيعة فنية أو أمنية أو اجتماعية خاصة:

  • المحكمة الدستورية العليا: هي هيئة قضائية مستقلة بذاتها، مهمتها مراقبة دستورية القوانين والأنظمة، وتفسير نصوص القانون الأساسي (الدستور).
  • محكمة جرائم الفساد: تختص بالنظر في قضايا الرشوة، والاختلاس، واستغلال النفوذ، والجرائم التي تمس المال العام.
  • محاكم الأحداث: محاكم متخصصة تراعي خصوصية الجنوح لدى الأطفال والقاصرين، وتهدف إلى الإصلاح أكثر من العقاب.
  • المحاكم العسكرية: وتختص بالنظر في الجرائم والمخالفات التي يرتكبها منتسبو الأجهزة الأمنية والعسكرية، ولها قوانينها وإجراءاتها الخاصة.


خامساً: استقلالية القضاء

يؤكد القانون الأساسي الفلسطيني على أن القضاء سلطة مستقلة، والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضاياهم لغير القانون. ويشرف المجلس الأعلى للقضاء على الشؤون الوظيفية للقضاة النظاميين لضمان حيادهم ونزاهتهم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال