جسر الشيخ حسين: الرابط الجغرافي والإرث النضالي
يعد جسر الشيخ حسين، أو ما يُعرف رسمياً بـ "المعبر الشمالي"، أحد الركائز السيادية والجغرافية التي تربط المملكة الأردنية الهاشمية بفلسطين المحتلة. يقع هذا المعبر في منطقة "غور الأربعين" التابعة للواء الأغوار الشمالية، ويمثل نقطة التقاء استراتيجية تتجاوز كونها مجرد معبر حدودي؛ فهو شاهد على تحولات كبرى صاغت تاريخ المنطقة الحديث.
أولاً: الموقع الاستراتيجي والأهمية الجغرافية
يقع المعبر في قلب وادي الأردن، وهي المنطقة الأكثر انخفاضاً في العالم، مما يمنحه أهمية مناخية وزراعية، فضلاً عن أهميته العسكرية. يربط الجسر بين مدينة إربد (عروس الشمال في الأردن) وبين مناطق بيسان وشمال فلسطين. وتكمن أهميته في كونه المنفذ البري الأساسي لسكان الشمال الفلسطيني، ولحركة التجارة والسياحة التي تعبر النهر صعوداً وهبوطاً.
ثانياً: التسمية بين التكريم المحلي والإرث الاستعماري
تتعدد الأسماء التي تُطلق على هذا الجسر، ولكل اسم منها دلالة تاريخية مختلفة:
- جسر الشيخ حسين: تعود التسمية الرسمية والمحلية إلى ضريح "الشيخ حسين" الموجود في المنطقة، وهو رمز ديني واجتماعي قديم يعكس هوية الأرض وأهلها.
- جسر النبي (ألنبي): يبرز هنا تداخل لغوي وتاريخي مثير للاهتمام، حيث يطلق العامة اسم "جسر النبي" كتحوير لاسم الجنرال البريطاني "إدموند ألنبي". هذا القائد العسكري البريطاني كان رأس الحربة في إسقاط الحكم العثماني في بلاد الشام خلال الحرب العالمية الأولى، ودخل القدس فاتحاً عام 1917م. وقد أطلق اسمه على الجسر إبان فترة الانتداب البريطاني، وبقي الاسم متداولاً بلفظه المحور (النبي) في الذاكرة الشعبية رغم زوال الوجود البريطاني.
ثالثاً: ملحمة البطولة (واقعة الشيخ حسين)
شهدت منطقة المعبر صراعات عسكرية دامية في أعقاب نكسة عام 1967، وكانت مسرحاً لبطولات الجيش العربي الأردني. في تلك الفترة، كانت القوات الإسرائيلية تشن غارات متكررة لاختبار الدفاعات الأردنية أو لتدمير البنى التحتية، ومن هنا اندلعت "واقعة الشيخ حسين".
في هذه المعركة، أظهرت الفئات العسكرية الأردنية المرابطة هناك صموداً أسطورياً. ومن أبرز ملامح هذه الواقعة:
- الدور القيادي لمحمد الوقفي: قاد الملازم (آنذاك) محمد الوقفي فئته ببسالة منقطعة النظير، حيث استطاع التصدي للآليات والجنود الإسرائيليين ومنعهم من تحقيق أهدافهم الاستراتيجية في المنطقة، رغم اختلال ميزان القوى التقني.
- التكريم الملكي الاستثنائي: لم تكن هذه المعركة تمر مرور الكرام في عُرف الملك الحسين بن طلال -رحمه الله-، والذي كان معروفاً بقربه من الجنود في الخنادق. وتقديراً للشجاعة النادرة التي أبداها الوقفي، قام الملك بتقليده وسام الاستقلال، وأصدر أمراً ملكياً بترفيعة ترفيعاً استثنائياً ميدانياً، وهي ممارسة عسكرية لا تتم إلا في حالات البطولة الفائقة التي تغير مجريات الاشتباك.
رابعاً: المعبر في الواقع السياسي المعاصر
بعد معاهدة السلام عام 1994، تحول "المعبر الشمالي" إلى نقطة رسمية لمرور المسافرين والبضائع، وأصبح يدار من قبل سلطات المطارات والحدود. ورغم الطابع المدني الحالي للمعبر، إلا أن الوجدان الشعبي لا يزال ينظر إليه كرمز للصمود والارتباط الوجداني بين ضفتي النهر، حيث تظل حكايات البطولات العسكرية، مثل قصة محمد الوقفي، جزءاً لا يتجزأ من السردية الوطنية الأردنية التي تُروى للأجيال.