المستشفيات العامة في مدينة تعز:
تُمثل المستشفيات العامة والطب الحكومي في مدينة تعز صمام الأمان والملجأ الأول والأساسي لغالبية المواطنين، لا سيما من ذوي الدخل المحدود، والنازحين، والفئات الأكثر هشاشة. ورغم الظروف الاستثنائية القاسية التي تمر بها المدينة منذ سنوات، من حصار وتدمير جزئي لبعض البنى التحتية ونقص الموارد المادية، إلا أن هذه المنشآت الطبية العامة تواصل تقديم خدماتها الاستشفائية والإسعافية بدعم مستمر من الكوادر المحلية الشجاعة والمنظمات الإنسانية الدولية والمحلية.
فيما يلي استعراض مفصل ومتكامل لواقع المستشفيات العامة والحكومية في مدينة تعز، ومكوناتها الأساسية، والتحديات التي تواجه سير عملها:
أولاً: الهيئات الطبية والمستشفيات المرجعية الكبرى
تضم مدينة تعز عدداً من الصروح الطبية العامة الكبرى التي تمتلك صفة "الهيئات المستقلة" أو المستشفيات المرجعية الاستراتيجية التي تستقبل الحالات الحرجة من كافة مديريات المحافظة:
- هيئة مستشفى الثورة العام: يُعد الصرح الطبي الأكبر والأهم في قلب المدينة (شارع الثورة). يمثل المستشفى المستجيب الأول للأزمات والحوادث الكبرى، ويضم أقساماً حيوية متكاملة تشمل الطوارئ العامة، والعمليات الجراحية، والعناية المركزة. كما يحتوي على مركز القلب والأوعية الدموية (الذي يعد نقلة نوعية في جراحة القلب بالمنطقة)، ومركز الفشل الكلوي الذي يقدم خدمات الغسيل المجاني لمئات المرضى بشكل دوري.
- المستشفى الجمهوري العام: أحد أعرق المستشفيات الحكومية في المدينة (حي الجمهوري)، ويشهد إقبالاً سكانياً هائلاً يومياً. يقدم المستشفى خدمات تشخيصية وعلاجية في تخصصات الباطنية، الجراحة العامة، العظام، والمسالك البولية، ويحتوي على المختبرات المركزية وبنك الدم الرئيسي الذي يغذي بقية المستشفيات عند الطوارئ.
- مستشفى تعز العام (الحوبان): صرح طبي حكومي تم افتتاحه وتجهيزه لخدمة الكثافة السكانية المرتفعة في المداخل الشرقية للمدينة (منطقة الحوبان). يوفر المستشفى سعة سريرية واسعة، ويضم عيادات خارجية مجهزة، وأقسام طوارئ توليدية، وحاضنات للأطفال، مما وفر على سكان تلك المناطق مشقة التنقل الخطير والمكلف عبر الطرق البديلة للوصول إلى وسط المدينة أو المحافظات الأخرى.
ثانياً: المستشفيات الحكومية المتخصصة
لضمان رعاية طبية مركزة للفئات الأكثر احتياجاً، خصصت وزارة الصحة العامة والسكان بالتعاون مع المبادرات والمنظمات الدولية مستشفيات عامة تعنى بتخصصات دقيقة:
- مستشفى السويدي للأمومة والطفولة: يقع في حي النقطة الرابعة، وهو المستشفى الحكومي التعليمي المتخصص والأول في المحافظة الذي يعنى بصحة الأم والطفل. يقدم المستشفى خدمات الولادة الطبيعية والقيصرية، ورعاية الأطفال الخدج عبر قسم الحاضنات، وتوزيع اللقاحات الدورية، ومكافحة أمراض سوء التغذية الحاد بدعم من منظمة اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية.
- مستشفى المظفر العام: يقع في قلب المدينة القديمة (مديرية المظفر)، ويتميز بتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والثانوية لسكان الأحياء القديمة ذات الاكتظاظ السكاني الكبير، ويلعب دوراً محورياً في فترات انتشار الحميات والأوبئة الموسمية كمركز فرز وعلاج متقدم.
- المستشفى العسكري العام: يقع في الجبهة الشرقية للمدينة (حي العسكري)، ورغم تأثره المباشر بموقع الجغرافي القريب من خطوط التماس، إلا أنه يستمر في تقديم الرعاية الطبية لمنتسبي القوات المسلحة وعائلاتهم وللمواطنين المدنيين في الأحياء المجاورة، معتمداً على دعم وزارة الدفاع والجهود الذاتية لكوادره.
ثالثاً: مراكز الدعم الحكومي الإنساني ومكافحة الأوبئة
تتكامل المنظومة العامة عبر مراكز نوعية ملحقة بالقطاع الحكومي تؤدي أدواراً إنقاذية بالغة الأهمية:
- المركز الوطني لعلاج الأورام وسرطان الدم: يعمل بالتنسيق مع المستشفيات العامة لتقديم الرعاية الطبية وتوفير جرعات العلاج الكيماوي لمرضى السرطان مجاناً أو بأسعار رمزية مدعومة، لتخفيف العبء المالي الثقيل عن كاهل الأسر.
- مراكز عزْل الطوارئ والأوبئة: يتم تفعيلها وتجهيزها بصفة دورية عند تفشي أوبئة مثل الكوليرا، أو حمى الضنك، أو داء الكلب، وتعمل هذه المراكز تحت إشراف مكتب الصحة والسكان بالمحافظة لاستقبال الحالات وتقديم المحاليل الوريدية والعلاجات الإسعافية الفورية.
رابعاً: التحديات الهيكلية والتشغيلية التي تواجه المستشفيات العامة
تواجه إدارة المستشفيات الحكومية في تعز أزمات مركبة تعيق تقديم الخدمات بمستوياتها القصوى، ومن أبرزها:
- أزمة نفقات التشغيل والطاقة: تعاني هذه المنشآت من نقص حاد في ميزانياتها التشغيلية الحكومية، وتعتمد بشكل شبه كلي على تبرعات المنظمات لتوفير مادة "الديزل" اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية وضمان عدم انقطاع التيار عن غرف العمليات والعناية المركزة وحاضنات الأطفال.
- نقص الكوادر الاستشارية وهجرة العقول: غادر عدد غير قستهان به من الأطباء والجراحين الاستشاريين المدينة بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية، مما وضع عبئاً مضاعفاً على الكوادر المحلية الشابة والممرضين الذين يعملون لساعات طويلة برواتب وحوافز متدنية.
- شحة الأدوية والمستلزمات الطبية المتطورة: تواجه المستشفيات صعوبة في تحديث أجهزتها الكبرى (مثل أجهزة الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية ومناظير الجراحة) جراء قيود الاستيراد وتأخر خطوط الإمداد عبر الطرق الجبلية الوعرة والمنافذ البديلة للمدينة.
تظل المستشفيات العامة في مدينة تعز رمزاً من رموز الصمود الإنساني، حيث تبذل إداراتها وكوادرها الطبية أقصى الجهود الممكنة لإبقاء أبواب هذه الصروح مفتوحة لتلبية النداء الإنساني لآلاف المرضى يومياً.