ديناميكية السلطة في الفقه الإباضي: تفصيل لمراحل الإمامة من الكتمان السري والجهاد المسلح (الشراء) وصولاً إلى مرحلة التمكين والاستقرار (الظهور)

النظرية الإباضية للإمامة: المراحل والتحولات

تعتبر نظرية الإمامة في الفقه السياسي الإباضي من المفاهيم الفريدة التي تُميز المذهب، فهي ليست مجرد اختيار دائم للحاكم، بل هي منظومة تتكيف مع الظروف السياسية والاجتماعية التي تمر بها الجماعة. تنقسم الإمامة الإباضية إلى أربع حالات رئيسية، تمثل كل منها مرحلة مختلفة من القوة أو الضعف، السلم أو القتال.


1. إمامة الكتمان:

تُعد إمامة الكتمان المرحلة الافتتاحية والأساسية التي تلجأ إليها الجماعة الإباضية عندما تكون في حالة ضعف أو عدم قدرة على مواجهة السلطة القائمة أو الأعداء بشكل علني.

  • وقت إقامتها: تُقام هذه الإمامة في الأوقات التي تكون فيها الجماعة مُضطهدة أو مُحاطة بسلطة حاكمة جائرة وقوية جدًا، بحيث يُشكل إعلان المعارضة خطراً وجودياً عليها.
  • الهدف والآلية: الهدف الأساسي هو الحفاظ على البكر (البنية الداخلية للجماعة)، وحماية المذهب من الاندثار. في هذه المرحلة، لا يُعلن الإمام اسمه ولا تُقام الطقوس العامة للإمامة. يقوم الإمام، أو من يقوم مقامه، بقيادة الجماعة سراً، ويتركز دوره على الدعوة السرية، والتربية الفقهية والعقدية لأفراد المذهب، وجمع الأموال لتقوية الصفوف استعداداً للمرحلة التالية.
  • الإمام: يُسمى الإمام في هذه المرحلة إمام الكتمان أو إمام الدفاع السري، ويُركز على الإدارة الداخلية والتمهيد.


2. إمامة الدفاع:

تنشأ هذه المرحلة كتدبير وقائي أو استجابة فورية لتهديد خارجي مباشر يداهم جماعة الإباضية التي قد تكون في حالة كتمان أو ظهور جزئي.

  • وقت إقامتها: تُقام إمامة الدفاع تحديداً في اللحظة التي يُداهم فيها العدو الإباضية في مناطقهم أو يُهدد وجودهم بشكل وشيك.
  • الهدف والآلية: الهدف هو رد العدوان وحماية النفس والأرض والمذهب. وهي إمامة وقتية، تُركز على الجانب العسكري. لا تتطلب هذه الإمامة شروط العدد أو العدة اللازمة لإمامة الشراء، بل يكفي أن يكون هناك قائد قادر على تولي مسؤولية الدفاع وقيادة المقاتلين.
  • النتائج المحتملة:
  1. في حالة الهزيمة: تعود الجماعة فوراً إلى مرحلة إمامة الكتمان لتفادي المزيد من الخسائر وإعادة بناء الصفوف سراً.
  2. في حالة النصر: إذا نجحت الجماعة في صد العدوان وهزيمة العدو، فإنها تنتقل مباشرة إلى إعلان إمامة الظهور إذا توفرت الشروط اللازمة للقوة والاستقرار.

3. إمامة الشراء:

تُعد إمامة الشراء أخطر وأهم مراحل الإمامة، وهي تمثل لحظة الثورة والخروج العلني بالسيف ضد السلطة الجائرة. "الشراء" تعني هنا شراء الآخرة بالدنيا، أي التضحية بالنفس والمال من أجل إقامة الحق.

  • وقت إقامتها: تبدأ هذه الإمامة عادة من مرحلة الكتمان عندما تشعر الجماعة بأنها اكتسبت قوة كافية وأن الظلم قد بلغ حده، مما يستوجب الخروج المسلح.
  • الضوابط والعدد: لا يمكن الشروع في هذه المرحلة إلا بعد توفر شروط صارمة تشمل:
  1. العدد الأدنى: يجب أن يختار الإمام جماعة من المقاتلين الأوفياء لا يقل عددهم عن أربعين رجلاً يتصفون بالورع والشجاعة والإخلاص الكامل.
  2. التفويض والبيعة: يقوم هؤلاء الأربعون بالبيعة للإمام وتفويضه لقيادة الثورة والقتال حتى النصر أو الموت (أي التضحية الكاملة دون تراجع).
  • الغاية: هي إزالة الإمامة الجائرة وإقامة إمامة الحق. إنها مرحلة جهاد مفتوحة ضد الجبابرة والمخالفين. في حال النجاح والانتصار والاستقرار، تتحول هذه الإمامة إلى إمامة الظهور.

4. إمامة الظهور:

تمثل إمامة الظهور أعلى مراحل الإمامة، وهي حالة الاستقرار والتمكين، حيث تكون الجماعة الإباضية قد أقامت دولتها وسلطتها.

  • وقت إقامتها: تُقام هذه الإمامة عندما يكون الإباضية في موقف قوة وثبات، بعد نجاح ثورة الشراء أو بعد صد هجوم في إمامة الدفاع.
  • شروط التمكين (قوة الإباضية): يشترط الإباضية لإعلان هذه الإمامة أن يبلغ عدد أفرادهم القادرين على القتال والسيطرة ما يُعادل نصف عدد المخالفين في القوة الشاملة. وتشمل هذه القوة:
  1. القوة البشرية (العدد): عدد المقاتلين.
  2. القوة المادية (المال والعدة): القدرة الاقتصادية على إدارة الدولة وتمويل الجيش.
  3. القوة المعرفية (العلم): وجود العلماء والقضاة القادرين على إدارة شؤون الدولة والحكم وفقاً للمذهب.
  • الهدف والآلية: في هذه المرحلة، يُعلن الإمام ويُظهر سلطته علناً، وتُطبق الأحكام الشرعية بالكامل، وتُقام الحدود، وتُنظم الدولة. الإمام في هذه المرحلة هو إمام مستقر، يمارس سلطته بشكل كامل وعلني.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال