البيئات الطاردة للسكان: تحليل للعوامل الطبيعية (الجفاف، البرودة، القارية) التي تحد من الكثافة السكانية في الصحاري القطبية، الحارة، وحوض الأمازون

المناطق قليلة السكان: العوامل والأمثلة

تتميز بعض مناطق العالم بكثافة سكانية منخفضة للغاية، أو تكاد تكون خالية من السكان بشكل دائم. يعود هذا النقص في التجمعات البشرية بشكل أساسي إلى الظروف الطبيعية القاسية التي تجعل الاستيطان البشري والزراعة والحياة الاقتصادية أمراً بالغ الصعوبة أو مستحيلاً.


النطاق الأول: الصحاري القطبية والمناطق الباردة الشديدة

يشمل هذا النطاق الأراضي التي تعاني من برودة دائمة أو شديدة للغاية، حيث تكون درجات الحرارة متدنية لفترات طويلة، وغالباً ما تتجمد التربة (الجليد السرمدي أو البرمافروست). هذه الظروف تحد بشدة من نمو النباتات وتوافر الموارد، مما يجعلها مناطق طاردة للسكان.

من أمثلة هذا النطاق:

  • القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا): تعتبر المنطقة الأقل كثافة سكانية على وجه الأرض، حيث لا يوجد بها سكان أصليون دائمون، ويقتصر الوجود البشري على الباحثين في القواعد العلمية المؤقتة.
  • جرينلاند: أكبر جزيرة في العالم، معظمها مغطى بالجليد الدائم. تتركز التجمعات السكانية الصغيرة على طول السواحل الخالية من الجليد نسبياً، بينما يظل الجزء الداخلي شبه خالٍ تماماً بسبب الغطاء الجليدي الهائل والبرودة الشديدة.
  • شمال أمريكا الشمالية (شمال كندا وألاسكا): تشمل مناطق التندرا والتايغا الشمالية، حيث يكون المناخ قاسياً جداً، وفترة النمو النباتي قصيرة، مما يحد من الأنشطة الاقتصادية ويجعل الحياة اليومية صعبة.
  • شمال أوراسيا (سيبيريا في روسيا وشمال الدول الاسكندنافية): مناطق شاسعة في أقصى الشمال الروسي والأوروبي تتسم بالشتاء الطويل والقارص ووجود الجليد السرمدي، مما يعيق البناء والبنية التحتية ويقلل من عدد السكان بشكل كبير.


النطاق الثاني: الصحاري الجافة شديدة الحرارة

يتسم هذا النطاق بالجفاف الشديد ونقص المياه، حيث يتجاوز معدل التبخر معدل الهطول المطري بشكل كبير. تؤدي هذه الظروف إلى تربة فقيرة وغير صالحة للزراعة، مما يمنع إمكانية إعالة أعداد كبيرة من السكان باستثناء الواحات المعزولة أو المناطق القريبة من مصادر المياه الجوفية أو الأنهار العابرة.

من أمثلة هذا النطاق:

  • الصحراء الكبرى: أكبر صحراء حارة في العالم، تمتد عبر شمال إفريقيا. تتسم بدرجات حرارة عالية جداً نهاراً ونقص حاد في الأمطار، مما يجعل معظم مساحتها شاسعة وغير مأهولة.
  • الصحراء الأسترالية الكبرى: تشمل العديد من الصحاري في داخل أستراليا (مثل صحراء فيكتوريا الكبرى وصحراء جيبسون)، وتتسم بالجفاف والقارية الشديدة والبعد عن التأثيرات البحرية الملطفة.
  • الصحاري الأخرى: يمكن إضافة صحاري مثل صحراء أتاكاما في تشيلي (الأكثر جفافاً على وجه الأرض) والصحراء العربية ضمن هذا التصنيف، حيث تلعب ندرة المياه دوراً حاسماً في انخفاض الكثافة السكانية.


حالات خاصة: حوض الأمازون والغابات المطيرة الكثيفة

على الرغم من أن حوض الأمازون يتميز بهطول أمطار غزير وليس جفافاً، إلا أنه غالباً ما يُصنَّف أيضاً ضمن المناطق قليلة السكان (غير المأهولة بشكل واسع)، ولكن لأسباب مختلفة تتعلق بـالعوائق الطبيعية الأخرى:

  • الغابات المطيرة الكثيفة: تُشكل الغابات الاستوائية المطيرة عائقاً طبيعياً هائلاً أمام التنمية والبنية التحتية.
  • صعوبة التنقل: كثافة الأشجار والتشابك النباتي ووجود الأنهار والمستنقعات تجعل التنقل والحركة والتوسع الحضري صعباً للغاية.
  • جودة التربة (ليست جيدة): على عكس الاعتقاد الشائع، فإن تربة الغابات المطيرة (باستثناء المناطق الفيضية) غالباً ما تكون فقيرة بالمغذيات (بسبب الغسيل السريع للأمطار)، مما يجعل الزراعة المستدامة على نطاق واسع أمراً صعباً بعد إزالة الغطاء النباتي.
  • الأمراض والمخاطر البيئية: تنتشر في هذه المناطق العديد من الأمراض الاستوائية والحيوانات البرية، مما يرفع من مخاطر الاستيطان.

في الختام، تتشابه هذه المناطق في النتيجة (قلة السكان) لكنها تختلف في الأسباب، حيث تتراوح العوامل بين البرودة القطبية، والجفاف الصحراوي، والعوائق البيئية للغابات المطيرة الكثيفة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال