التحول الجيومورفولوجي لسطح الأرض خلال البلايستوسين: دراسة شاملة لتأثير التعرية الجليدية والآثار الجانبية للتغيرات المناخية على التضاريس الحالية

تأثير عصر البلايستوسين على تضاريس سطح الأرض الحالية:

يُعد عصر البلايستوسين (Pleistocene Epoch) فترة زمنية محورية في تاريخ الأرض الجيولوجي، حيث كانت التغيرات المناخية العنيفة التي شهدها ذات أثر بالغ الأهمية في تشكيل السمات التضاريسية الحالية لسطح كوكبنا. إن فهم التكوينات الجيومورفولوجية الراهنة يتطلب حتماً العودة إلى الأوضاع المناخية والجيولوجية التي سادت خلال هذا العصر.


التأثيرات الجليدية الواسعة (الفترات الجليدية):

شهد البلايستوسين تعاقبًا بين فترات جليدية باردة وأخرى دفيئة بين-جليدية. كانت الفترات الجليدية هي العامل الأبرز في التشكيل التضاريسي:

  • التعرية الجليدية المباشرة: غطت الصفائح الجليدية الهائلة مساحات شاسعة من اليابسة، قُدرت بحوالي 25 مليون كيلومتر مربع. أدت حركة هذه الكتل الجليدية العملاقة إلى عمليات نحت وحت قوية للطبقات الصخرية السطحية، مما أدى إلى تكوين تضاريس جليدية مميزة مثل البحيرات الجليدية، الأودية على شكل حرف U (U-shaped valleys)، السريرك (cirques)، والركام الجليدي (moraines).
  • المظاهر التضاريسية الشاهدة: لا تزال آثار التعرية الجليدية ماثلة حتى اليوم في مناطق لم يعد يغطيها الجليد. على سبيل المثال، قد نجد مظاهر تعرية جليدية فوق قمم جبلية لا تحتوي حاليًا على أية ثلاجات قممية (Alpine glaciers)، مما يشير بوضوح إلى أن هذه الجبال كانت مغطاة بالجليد خلال البلايستوسين.

التأثيرات المناخية غير المباشرة والجانبية:

لم يقتصر تأثير الفترات الجليدية على المناطق التي غطاها الجليد مباشرة، بل تجاوزها إلى مناطق عظيمة أخرى في العالم بسبب الانخفاض العام في درجة حرارة الكرة الأرضية:

  • المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية: أدت التغيرات في أنماط الضغط الجوي والرطوبة خلال الفترات الجليدية إلى زيادة كميات الأمطار في المناطق التي هي الآن صحراوية جافة. نتج عن ذلك نشاط نهري قوي، تاركًا خلفه آثاراً واضحة لـأودية نهرية جافة أو وديان متآكلة لا تتدفق فيها المياه حاليًا (تعرف بالـPaleo-channels).
  • انخفاض منسوب البحار (الانحسار البحري): أدت عملية تجمد كميات ضخمة من المياه في شكل صفائح جليدية على اليابسة إلى هبوط عالمي في مستوى سطح البحر (Sea Level Drop) يصل إلى أكثر من 100 متر في بعض الأحيان.
  1. تكوين ظواهر السواحل المرتفعة: أدى هذا الانخفاض إلى تعرية المنصات القارية وتكوين شواطئ مرتفعة أو رصيف بحري متعرٍ (raised beaches) فوق المستوى الحالي.
  2. ظاهرة إعادة الشباب للأنهار: تعرضت الأنهار التي كانت تصب في المحيطات خلال العصر الجليدي لظاهرة إعادة الشباب (Rejuvenation). بسبب هبوط مستوى البحر، زاد انحدار المجاري الدنيا للأنهار، مما أدى إلى زيادة قوتها الحاتة وتكوين مدرجات نهرية (River Terraces) واضحة على جوانبها، لا يمكن تفسيرها إلا بالرجوع إلى التغيرات في مستوى القاعدة خلال البلايستوسين.

التأثيرات المعاكسة (الفترات الدافئة البين-جليدية):

يحدث عكس هذه الظواهر في الفترات الدفيئة البين-جليدية التي تقع بين كل فترتين جليديتين:

  • ارتفاع مستوى سطح البحر (التقدم البحري): يؤدي ذوبان الجليد المتراكم إلى ارتفاع مستوى سطح البحر فوق مستواه الحالي، مما يؤدي إلى تكون السواحل المغمورة (Submerged Coasts) ودخول مياه البحر في مصبات الأنهار (تكوين الخلجان والمرافئ).
  • الجفاف والتعرية الريحية: تتزايد مساحة الصحاري ويشتد عمل الرياح (التعرية الهوائية) لتصبح هي العملية التضاريسية السائدة في تلك المناطق.

حركات القشرة الأرضية وعلاقتها بالتضاريس:

لم تقتصر عوامل التشكيل في البلايستوسين على المناخ، بل شهد هذا العصر أيضًا نشاطًا متزايدًا لـحركات القشرة الأرضية (Tectonic Movements).

  • بلوغ الذروة: على الرغم من أن بعض هذه الحركات قد بدأ في عصور سابقة، إلا أنها وصلت إلى ذروتها واشتدت خلال البلايستوسين.
  • تشكيل السلاسل الجبلية: اشتد نشاط هذه الحركات بشكل خاص حول المحيط الهادئ (حزام النار)، وكانت مسؤولة إلى حد كبير عن تشكيل وتحديد التضاريس البنيوية (Structural Relief) الموجودة في تلك المناطق اليوم، مثل السلاسل الجبلية الحديثة.

أهمية دراسة البلايستوسين:

لفهم التضاريس الحالية التي قد توجد عليها ظواهر لا تتناسب مع العملية التضاريسية السائدة حاليًا (مثل وجود مدرجات نهرية أو مظاهر جليدية في مناخ دافئ)، لا بد من الرجوع إلى الوضع المناخي والجيولوجي الذي كان سائدًا في البلايستوسين.

لذلك، فإن دراسة عصر البلايستوسين لا تقتصر على الجيومورفولوجيين (Geomorphologists) فحسب، بل يشاركهم في هذا الاهتمام متخصصون في علوم أخرى متعددة، منها:

  • الجيولوجيون (Geologists)
  • علماء الآثار (Archaeologists)
  • علماء الأنثروبولوجيا (Anthropologists)
  • علماء الهيدرولوجيا (Hydrologists)

هذا التضافر المعرفي يؤكد الأهمية القصوى لهذا العصر في فهم ليس فقط شكل الأرض، بل أيضاً تاريخ الحياة والتطور البشري.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال