الآليات القانونية للموازنة بين حق البائع في استخلاص ثمن الأصل التجاري وحماية الدائنين في حالة المنازعة في الدين

بيع الأصل التجاري عند وجود منازعة في الدين:

تعد عملية بيع الأصل التجاري من العمليات القانونية المعقدة نظراً لكون الأصل التجاري يشمل عناصر مادية ومعنوية، ولأن المشرع يسعى دائماً لحماية حقوق الدائنين الذين قد يتضررون من تفويت هذا الأصل.

عند وجود منازعة في الدين أثناء عملية البيع، تتدخل القواعد القانونية (وفقاً لمدونة التجارة) لمحاولة الموازنة بين حق المشتري في الحصول على أصل خالٍ من الشوائب، وحق البائع في قبض الثمن، وحق الدائن في استيفاء دينه.

إليك تحليل وتفصيل لهذه القاعدة:


أولاً: فلسفة المشرع في تنظيم بيع الأصل التجاري

تقوم القاعدة القانونية على مبدأ "الثمن يحل محل الأصل". بما أن الأصل التجاري هو ضمانة معنوية يصعب تتبعها بعد انتقالها، فإن القانون ينقل حقوق الدائنين من "ذات الأصل" (المحل، الزبائن، الاسم التجاري) إلى "ثمن البيع". وعند وجود منازعة في الدين، تظهر الحاجة لآلية قانونية تمنع البائع من تهريب الثمن، وفي نفس الوقت تمنع الدائن من عرقلة البيع بتعويضات كيدية أو ديون وهمية.


ثانياً: آلية التعرض كأداة لحماية الدائن المنازع

عندما يتم نشر عقد البيع، يمنح القانون دائني البائع (سواء كان دينهم عادياً أو ممتازاً) حق إقامة "تعرض" على دفع الثمن.

  • طبيعة التعرض: هو ليس حجزاً بالمعنى الحرفي، بل هو إشعار قانوني يوجه للمشتري أو الجهة المودع لديها الثمن، يمنعهم من إبراء ذمة البائع.
  • أثر المنازعة: بمجرد وقوع التعرض، يمتنع على المشتري دفع أي جزء من الثمن للبائع. إذا دفع المشتري للبائع في ظل وجود تعرض أو قبل انقضاء آجاله، فإنه يعتبر "سيء النية" ويجوز إلزامه بدفع الدين للدائن المعترض مرة أخرى من ماله الخاص.

ثالثاً: المسطرة القضائية لرفع التعرض (المنازعة الجدية)

بما أن التعرض قد يكون وسيلة للضغط غير المشروع، وضع القانون مسطرة استعجالية لفك النزاع:

1. الاختصاص القضائي:

ينعقد الاختصاص لرئيس المحكمة التجارية (بصفته قاضياً للمستعجلات). يرفع البائع دعوى يطلب فيها "رفع التعرض" أو "الإذن بقبض الثمن" رغم وجود النزاع.

2. تقدير جدية الدين:

يقوم القاضي بفحص أولي لمستندات الدائن المعترض:

  • إذا تبين أن الدين مبني على سند رسمي (شيك، كمبيالة، عقد موثق)، فإن المنازعة هنا تكون صعبة، ويستمر تجميد الثمن.
  • إذا كانت المنازعة تتعلق بدين احتمالي أو غير محقق المقدار (مثل تعويض عن ضرر لم يفصل فيه القضاء بعد)، هنا تظهر سلطة القاضي في الموازنة.

3. الحل القانوني: الإيداع الاحتياطي

لكي لا يتضرر البائع من تجميد كامل الثمن بسبب دين واحد متنازع عليه، يسمح القاضي للبائع بسحب باقي الثمن بشرط:

  • أن يترك في صندوق المحكمة أو لدى المودع لديه مبلغاً يحدده القاضي (غالباً ما يغطي أصل الدين المتنازع عليه + نسبة إضافية للمصاريف والفوائد).
  • هذا الإجراء يحرر باقي الثمن للبائع لمتابعة أعماله، ويضمن للدائن استيفاء حقه فور صدور حكم نهائي في "أصل الدين".


رابعاً: دعوى المصادقة على التعرض ودعوى الموضوع

المنازعة في الدين تقسم المسار القضائي إلى مسارين:

  • المسار الاستعجالي: يتعلق فقط بمصير "الثمن المودع" (هل يبقى مجمداً أم يسحب؟).
  • مسار الموضوع: يجب على الدائن المعترض أن يرفع دعوى (خلال أجل محدد قانوناً) للمطالبة بإثبات دينه. إذا لم يرفع هذه الدعوى، يمكن للبائع المطالبة بإلغاء التعرض بصفة نهائية لعدم الجدية.

خامساً: أثر المنازعة في حالة "التوزيع بالمحاصة"

إذا كانت الديون المترتبة على الأصل التجاري تفوق ثمن البيع، ندخل في مرحلة "التوزيع بالمحاصة" (توزيع الثمن بنسبة مئوية لكل دائن):

  1. يتم إعداد قائمة بالدائنين المقبولين (الذين لا نزاع في ديونهم).
  2. يتم تحديد الدائنين المنازع فيهم (الذين لم تصدر أحكام نهائية بحقهم).
  3. عند توزيع الأموال، لا يتم إقصاء الدائن المنازع في دينه، بل يتم "حجز حصته افتراضياً". أي أن نصيبه من التوزيع يُوضع في حساب بنكي مجمد ولا يُوزع على باقي الدائنين إلا بعد الفصل النهائي في نزاعه. إذا خسر دعواه، يُعاد توزيع حصته على باقي الدائنين.


سادساً: مسؤولية المشتري والغير المودع لديه

في حال وجود منازعة، تقع مسؤولية قانونية جسيمة على عاتق المشتري:

  • لا يجوز للمشتري أن ينصب نفسه حكماً؛ فليس له أن يقرر أداء الدين للدائن المعترض مباشرة بحجة أن الدين واضح، بل يجب عليه اتباع المسطرة القضائية.
  • إذا قام المشتري بالوفاء بالثمن للبائع رغم علمه بالمنازعة أو التعرض، فإن هذا الوفاء لا يواجه به الدائنون، ويظل المشتري مديناً لهم بقيمة الثمن الذي دفعه بشكل غير قانوني.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال