تيزي نتاست: القنطرة الحجرية عبر جبال الأطلس الكبير.. من معقل قبيلة غوندافاس إلى طريق استراتيجي يربط الشمال بالجنوب المغربي

ممر تيزي نتاست: معبر تاريخي عبر قلب الأطلس الكبير

يمثل ممر تيزي نتاست (Tizi n'Test Pass) واحداً من الإنجازات الهندسية البارزة في المغرب، وشاهداً حياً على تاريخ حافل بالصراعات القبلية والتحولات السياسية التي شهدها الأطلس الكبير. هذا الممر ليس مجرد نقطة عبور، بل هو بوابة تربط الشمال الغني (مراكش) بالجنوب الصحراوي (تارودانت)، مخترقاً أشرس التضاريس الجبلية.


الخصائص الجغرافية والهندسية للممر:

ممر تيزي نتاست هو ممر جبلي عابر، يبلغ ارتفاعه الشاهق 2,093 متراً (6,867 قدماً)، مما يجعله نقطة استراتيجية للرصد والمراقبة.

1. تحدي البناء في التضاريس الوعرة:

جاء شق هذا الطريق في سياق سياسات الحماية الفرنسية، حيث مثل جزءاً من جهود فرنسا لربط مناطق نفوذها وتسهيل الحركة العسكرية والتجارية. استغرقت عملية بناء الطريق فترة زمنية غير قصيرة، بدأت في عام 1926 واكتملت في عام 1932. وقد تطلبت هذه السنوات الست مجهوداً هندسياً خارقاً لتثبيت الطريق عبر المنحدرات الصخرية الشديدة والوديان العميقة، وذلك باستخدام تقنيات بناء الطرق الجبلية المتاحة في تلك الفترة.

2. شبكة الربط الحيوية:

يمتد الطريق ليربط مجموعة من القرى والمراكز ذات الأهمية التاريخية والجغرافية، بدءاً من أسني في سفح الأطلس، مروراً بـ أويرجان و تلات نيعقوب التي كانت مسرحاً للصراعات القبلية، وصولاً إلى تينمل، الموقع التاريخي لدولة الموحدين العظيمة، قبل الصعود إلى الممر ونزولاً نحو تارودانت. هذا التسلسل يؤكد على الدور المحوري للممر كشريان اقتصادي واجتماعي لأودية نفيس وتانسيفت.

3. الانحدار الدراماتيكي نحو تارودانت:

التحدي الأكبر لهذا الممر يكمن في النزول الطويل والخطير نحو سهل تارودانت (أو سوس). يبلغ هذا الانحدار حوالي 1,600 متر على امتداد مسافة متعرجة وضيقة، حيث يمر الطريق عبر منحدرات صخرية عمودية. تتطلب هذه المرحلة تركيزاً عالياً وقدرة تحمل من المركبات والسائقين، وهي ما يجعله من أجمل الطرق الجبلية وأكثرها إثارة في المغرب.


وادي نفيس: معقل قبيلة غوندافاس ومسرح الصراع

المنطقة التي يمر بها تيزي نتاست هي جزء من وادي نفيس (الذي يغذيه نهر الخصبة)، وهو وادٍ خصب ومُروى، شكل عبر التاريخ المعقل التقليدي لقبيلة غوندافاس الأمازيغية.

1. الصراع من أجل السيطرة على الأطلس:

في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لم يكن الأطلس الكبير خاضعاً بالكامل لسلطة المخزن المركزي. بل كان مسرحاً لصراع دائم على النفوذ بين القبائل القوية، وفي مقدمتها غوندافاس وخصومها اللدودين، قبيلة الكلاوي. كانت السيطرة على هذا الممر الحيوي تعني السيطرة على خطوط التجارة والحركة بين مراكش والجنوب.

2. اشتعال فتيل الحرب القبلية:

تجسد هذا الصراع في أحداث عنيفة عام 1906، حيث شنت قبيلة الكلاوي هجوماً على مناطق غوندافاس. كانت أبرز نتائج هذا الهجوم تدمير وإحراق قصبة تلات نيعقوب التي كانت مركزاً مهماً لغوندافاس. هذا العمل لم يكن مجرد هجوم عسكري، بل كان محاولة لإضعاف سلطة غوندافاس في المنطقة.

3. التحصين كرد فعل:

جاء رد قبيلة غوندافاس سريعاً ومحكماً. ففي عام 1907، وبعد عام واحد فقط من الهجوم، قام زعماء القبيلة ببناء قلعة دفاعية ضخمة هي أغادير-الجوف، وتقع خارج تينمل. بنيت هذه القلعة لتكون حصناً منيعاً لا يمكن اختراقه، ومكاناً لحفظ المؤن والذخائر، ولتأكيد سيطرة غوندافاس الفعلية على هذا الجزء من الأطلس.


لعبة التوازنات السياسية مع الحماية الفرنسية:

مع حلول عام 1912 وبدء عهد الحماية الفرنسية على المغرب، دخل الصراع القبلي مرحلة جديدة من التحالفات والمساومات السياسية التي أملتها الإدارة الاستعمارية.

1. تثبيت نفوذ الكلاوي في الشمال:

سعت فرنسا إلى دعم حلفاء أقوياء في مراكز القرار. وقد أدى هذا إلى تقوية نفوذ عائلة الكلاوي، حيث تم تنصيب زعيمها كـ باشا لمراكش. هذا اللقب لم يكن مجرد منصب إداري، بل كان سلطة واسعة تسمح للكلاوي بالتحكم في مناطق شاسعة حول المدينة، مما منحه التفوق على غوندافاس في الشمال.

2. اعتراف غوندافاس بالواقع الجديد:

في المقابل، سمح لغوندافاس بالاحتفاظ بسيطرتها شبه المستقلة على منطقة الأطلس الكبير الداخلية، بشرط عدم معارضة الوجود الفرنسي. وبعد أن سقطت تارودانت تحت السيطرة الفرنسية في عام 1913، أدرك زعيم غوندافاس أن مقاومة القوة الجديدة أصبحت مستحيلة. ونتيجة لذلك، أعلن اعترافه بالحاكم الفعال للجنوب، مما ثبّت موقعه كزعيم إقليمي فعلي، لكن تحت السلطة الإشرافية للحماية الفرنسية، منهياً بذلك عصر الصراع القبلي المباشر ومفتتحاً مرحلة التعاون الضمني مع القوة الاستعمارية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال