تمييز حالات الهلاك والتلف في العقار المرهون: خيارات الدائن المرتهن بين تقديم التأمين الكافي أو إسقاط أجل الدين، ومسؤولية الحائز عن بذل عناية الرجل العادي

ضمان هلاك وتلف الشيء المرهون في الرهن الحيازي: تحليل لأحكام القانون المدني

تنظم أحكام القانون المدني ضمان هلاك أو تلف الشيء المرهون في الرهن الحيازي، وتوضح مسؤولية كل من الراهن والدائن المرتهن في هذا الصدد. وتأتي هذه الأحكام متسقة مع المبادئ العامة للرهن، حيث تُحيل المادة 954 من القانون المدني الخاصة بالرهن الحيازي إلى الأحكام التفصيلية الواردة في المادتين 899 و 900 المتعلقة بالرهن الرسمي.

تنص المادة 954 على مبدأ أساسي مفاده أن الراهن يضمن هلاك الشيء المرهون أو تلفه إذا كان الهلاك أو التلف راجعاً لخطئه أو ناشئاً عن قوة قاهرة. ونتيجة لهذا الإحالة، يتعين علينا التمييز بين ثلاث حالات أساسية لأسباب هلاك أو تلف العقار المرهون، وتظهر أهمية هذا التمييز في تحديد الخيارات القانونية المتاحة للدائن المرتهن.


أولاً: حالات هلاك أو تلف العقار المرهون ومسؤولية الأطراف

تتحدد مسؤولية الراهن والمرتهن وآثار الهلاك بناءً على السبب الذي أدى إلى الضرر:

1. هلاك العقار المرهون أو تلفه بخطأ الراهن:

يُعد هلاك العقار أو تلفه بفعل الراهن نفسه دليلاً على إخلاله بالتزامه بضمان الرهن. ومن أمثلة ذلك قيام الراهن بإجراءات تؤدي إلى هدم العقار المرهون أو تقليل قيمته بشكل كبير.

في هذه الحالة، يخول القانون للدائن المرتهن حق الاختيار بين وسيلتين لحماية حقه، وفقاً لأحكام المادة 899:

  • الخيار الأول: مطالبة الراهن بتقديم تأمين كافٍ بدلاً من التأمين الذي هلك أو تلف.
  • الخيار الثاني: إسقاط أجل الدين، أي يصبح الدين حالاً ويستحق الأداء الفوري، مما يمكن الدائن من اتخاذ إجراءات التنفيذ فوراً على العقار (أو ما تبقى منه).

2. هلاك العقار المرهون أو تلفه بخطأ الدائن المرتهن:

في حالة الرهن الحيازي، يلتزم الدائن المرتهن بالمحافظة على العقار المرهون بصفته حائزاً له. يمثل هذا الالتزام التزاماً ببذل عناية الرجل العادي في حفظ العقار وصيانته. إذا وقع الهلاك أو التلف بسبب تقصير الدائن المرتهن أو إهماله في واجب العناية هذا، فإنه يتحمل المسؤولية.

الآثار القانونية المترتبة:

  • عدم جواز المطالبة: لا يحق للدائن المرتهن أن يطالب الراهن بتقديم تأمين بديل أو إسقاط أجل الدين، لأن الضرر ناتج عن خطئه الشخصي.
  • التعويض والحلول العيني: يجب على المرتهن دفع تعويض للراهن عما أتلفه بخطئه، تطبيقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية. ويحل مبلغ هذا التعويض محل العقار المرهون فيما يخص ضمان الدين، ويُعد هذا تطبيقاً واضحاً لنظرية الحلول العيني.

3. هلاك العقار المرهون أو تلفه بسبب أجنبي (القوة القاهرة أو فعل الغير):

يشمل السبب الأجنبي كل حدث لا يرجع إلى خطأ الراهن ولا خطأ الدائن المرتهن، مثل الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات، أو هلاك العقار بفعل غير مسؤول عنه أي من الطرفين.

وفقاً للمادة 954، يضمن الراهن الهلاك أو التلف الناشئ عن قوة قاهرة. وفي هذه الحالة، يكون للدائن المرتهن نفس الحقوق المخولة له في حالة خطأ الراهن (بموجب الإحالة على المادة 899). وبناءً عليه، يكون الراهن أمام خيارين:

  • تقديم تأمين كافٍ بدلاً من التأمين الهالك أو التالف.
  • إسقاط أجل الدين ودفع الدين فوراً للدائن المرتهن.

ثانياً: وقت وقوع الهلاك وقرينة المسؤولية

يضمن الراهن الهلاك أو التلف سواء حدث ذلك قبل تسليم العقار للمرتهن أو بعد تسليمه.

  • الهلاك قبل التسليم: إذا حدث الهلاك قبل التسليم، فلا توجد مسؤولية على المرتهن، ولا يطالب بإثبات عدم تقصيره، وتتحقق مسؤولية الراهن مباشرة (ما لم يكن الهلاك بخطأ المرتهن نفسه).
  • الهلاك بعد التسليم: هنا، تقوم قرينة بسيطة على أن الدائن المرتهن هو المخطئ، نظراً لكون العقار تحت حيازته. وللخروج من المسؤولية وإلقائها على الراهن أو على السبب الأجنبي، يكفي أن ينفي المرتهن تقصيره في المحافظة على العقار ويثبت أنه بذل عناية الرجل العادي. بمجرد إثبات المرتهن لنفيه، تنتقل المسؤولية إلى الراهن وفقاً للحالتين المذكورتين أعلاه، مؤكداً بذلك أن فكرة الضمان في الرهن الحيازي تبقى التزاماً على عاتق الراهن.

ثالثاً: الإجراءات الوقائية وحلول القيمة الأخرى (الحلول العيني)

1. التدابير لمنع الضرر (المادة 899 الفقرة الثالثة):

إذا وقعت أعمال من شأنها أن تعرض العقار المرهون للهلاك أو التلف، أو أن تجعله غير كاف لضمان الدين، حتى لو لم يكن للراهن يد في هذه الأعمال (كأن يشرع جار في بناء يشكل اعتداء على العقار المرهون أو على حقوق ارتفاقه)، فإن القانون يمنح الدائن المرتهن الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الضرر.

تنص المادة 899 في فقرتها الثالثة صراحة على أن للدائن المرتهن أن يطلب من القاضي وقف هذه الأعمال، والأمر باتخاذ الوسائل التي تمنع وقوع الضرر. هذا الحق يمكن للدائن ممارسته دون الحاجة لوساطة الراهن، كأن يطلب منع الجار من إقامة البناء الضار.

2. انتقال الحق بالحلول العيني (المادة 900):

عندما يترتب على هلاك أو تلف العقار حلول قيمة أخرى محل العقار الأصلي، فإن حق الدائن المرتهن ينتقل بمرتبته إلى هذه القيمة البديلة. وهذا ما يُعرف بنظرية الحلول العيني، والتي نصت عليها المادة 900 من القانون المدني والمُحال إليها بموجب المادة 954.

أمثلة على الحلول العيني:

  • إذا هلك العقار نتيجة لزلزال، وقدمت الدولة تعويضات للمنكوبين، يحل مبلغ التعويض محل العقار ويصبح مرهوناً للدائن.
  • إذا قام الراهن بهدم المبنى المرهون وباع أنقاضه، فإن ثمن البيع يحل محل العقار الأصلي ويصبح حق الدائن المرتهن منصباً على هذا الثمن.
  • إذا تمت نزع ملكية العقار للمنفعة العامة، فإن مبلغ التعويض الذي يدفعه المستملك يحل محل العقار المرهون.

بهذا، يظل الضمان قائماً للدائن المرتهن، حيث ينتقل حقه من العين المرهونة إلى القيمة المالية التي حلت محلها، مما يضمن استمرار تأمين الدين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال