الشيخ أبو محمد تيلجي الدغوغي: سيرة ومسار أحد كبار مشايخ دكالة وعلاقة علمه برباط شاكر في القرن السابع الهجري

سيرة الشيخ العارف أبي محمد تيلجي الدغوغي: منارة الوعظ في بلاد دكالة

يعد الشيخ أبو محمد تيلجي بن موسى الدغوغي أحد أبرز الأعلام الذين طبعوا التاريخ الروحي والاجتماعي لمنطقة دكالة المغربية في القرن السابع الهجري. لم يكن مجرد فقيه عابر، بل كان قطبًا من أقطاب الصلاح، ومنارة للعلم والوعظ، امتد أثره عبر عقود طويلة من الزمن.


النشأة والتعمير: شاهد على العصر

ولد الشيخ في قرية بني دغوغ العريقة بمنطقة دكالة، ونشأ في بيئة تشبعت بالقيم الإسلامية والتقاليد العلمية. ما يميز سيرة هذا الشيخ هو البركة في العمر، حيث تذكر المصادر التاريخية أنه عاش قرابة 120 سنة.

هذا التعمير لم يكن مجرد أرقام، بل جعل منه "ذاكرة حية" عاصرت تحولات سياسية واجتماعية كبرى في المغرب، وسمح له ببناء قاعدة شعبية واسعة وتكوين أجيال متعاقبة من المريدين والطلبة، مما رسخ مكانته كشيخ وقور يجمع بين حكمة السنين ونور العلم.


المكانة العلمية والاجتماعية: القدوة والواعظ

صُنف أبو محمد تيلجي ضمن طبقة "كبار المشايخ"، وهو لقب لا يُمنح إلا لمن جمع بين التمكن في علوم الشريعة والتحقق في مسالك التربية الروحية. تميزت شخصيته بخصائص فريدة:

  • النفوذ الروحي: تجاوز تأثيره حدود التدريس التقليدي إلى كونه مرجعًا أخلاقيًا واجتماعيًا يُحتكم إليه في النوازل ويُقصد للتبرك بفضله.
  • براعة الوعظ: اشتهر بقدرته الفائقة على الخطابة والتأثير في القلوب، حيث سخر لسانه لإرشاد الناس وتوعيتهم بأمور دينهم، محاربًا للجهل والبدع في زمن كانت فيه الحاجة ماسة للمصلحين.

رباط شاكر: منبر التميز والتفرد

ارتبط اسم الشيخ برباط شاكر، وهو واحد من أقدم وأهم الرباطات في تاريخ المغرب. كانت هذه الرباطات في ذلك العصر تمثل مؤسسات متكاملة تجمع بين المرابطة (الدفاع عن البلاد) والتربية (نشر العلم والتصوف).

تتجلى عظمة الشيخ تيلجي في خصوصية علاقته بهذا الرباط، وتحديداً في "جامع شاكر":

  1. اعتلاء المنبر: في زمن كان فيه اعتلاء المنبر أمراً صعب المنال ولا يُسمح به إلا لمن بلغ الغاية في العلم والورع، كان الشيخ تيلجي من القلائل (الآحاد) الذين يُسمح لهم بالصعود لوعظ الناس.
  2. الاعتراف والسيادة: هذا التفرد يدل على اعتراف ضمني من علماء عصره وأولي الأمر بتمكنه التام، فمنبر جامع شاكر كان يمثل "منصة التوجيه الأولى" في المنطقة، واختصاصه به يعكس ثقة مطلقة في فكره ومنهجه.

الوفاة والإرث التاريخي

بعد رحلة طويلة من العطاء والوعظ دامت أكثر من قرن، انتقل الشيخ أبو محمد تيلجي إلى جوار ربه في مسقط رأسه ببلدة بني دغوغ عام 605 هـ.

إن وفاته في بلدته بعد هذا العمر المديد تحمل دلالة على الارتباط بالأرض والوفاء للمجتمع المحلي؛ فقد ظل مرابطاً في ثغره العلمي والوعظي حتى النفس الأخير. ترك الشيخ خلفه إرثاً روحياً لا يزال صداه يتردد في كتب التراجم المغربية، وظل اسمه مقترناً بفضائل التقوى والصدق في القول، مما جعله نموذجاً يُحتذى به في تاريخ المتصوفة والعلماء المغاربة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال