التكوين الجغرافي والبيئي لسهول أمريكا الجنوبية: ثراء يغطي نصف القارة
تمتلك قارة أمريكا الجنوبية نظاماً فريداً من السهول والأحواض النهرية التي تُشكل ما يقرب من نصف مساحتها الكلية، متأثرةً بشكل مباشر بسلسلة جبال الأنديز الشاهقة على الغرب، والتي عملت كحاجز لتشكيل هذه الأحواض الداخلية العملاقة. هذا التنوع في التضاريس والمناخ هو ما يمنح القارة أهميتها البيئية والاقتصادية الكبرى.
1. سهول اللانوس (Llanos): المراعي المدارية الشمالية
سهول اللانوس هي أرض المروج الواسعة التي تمتد بين القمم الشمالية لجبال الأنديز وهضبة جيانا الأقدم جيولوجياً. تتميز هذه السهول بكونها بيئة مدارية تتأثر بشدة بمواسم الأمطار والجفاف:
- الموقع الهامشية: تقع اللانوس بشكل رئيسي في فنزويلا وكولومبيا، وتُعد شريطاً انتقالياً بين السلاسل الجبلية المرتفعة والغابات المطيرة الكثيفة.
- ديناميكية نهر الأورينوكو: يُمثل نهر الأورينوكو الشريان الحيوي لهذه المنطقة. خلال موسم الأمطار الغزيرة، تغمر المياه مساحات شاسعة من السهول، مُشكلةً مستنقعات ضحلة غنية بالموارد المائية. أما في موسم الجفاف، تتحول إلى سهول عشبية صفراء قاحلة نسبياً.
- النشاط الرئيسي: هذا التناوب الموسمي يجعل اللانوس منطقة رئيسية لتربية المواشي وترحالها (الرعي الموسمي)، حيث يعتمد نمط الحياة الاقتصادي لسكان المنطقة بشكل كبير على دورة الفيضان والجفاف.
2. سهول السلفاس (Selvas): قلب الحياة البيولوجية (حوض الأمازون)
تمثل سهول السلفاس، أو ما يُعرف على نطاق واسع بـحوض الأمازون، أكبر منطقة سهلية منخفضة في العالم، وهي مرادف لبيئة الغابات المدارية المطيرة التي لا مثيل لها في الكثافة والتنوع البيولوجي.
- الامتداد العملاق: يمتد هذا الحوض ليشمل تسع دول، لكن الجزء الأكبر يقع في البرازيل، ويتغذى بالكامل تقريباً من نهر الأمازون وروافده التي تشكل شبكة هائلة من الممرات المائية.
- المناخ والبيئة: يتميز بمناخ استوائي حار ورطب للغاية، مع هطول أمطار على مدار العام، مما أدى إلى نمو أكثر النظم البيئية تعقيداً على الكوكب. السلفا هي مصدر رئيسي للأخشاب والمطاط ومجموعة واسعة من الموارد الطبيعية الأخرى، وتلعب دوراً حاسماً في تنظيم المناخ العالمي.
- التحديات البشرية: على الرغم من إمكانياته، تُعد هذه المنطقة صعبة الاستيطان والتنمية الزراعية الكثيفة بسبب التربة القليلة العمق (لاتيريت)، والتحديات اللوجستية، والأهمية الحيوية للحفاظ على غطائها النباتي.
3. سهول البمباس (Pampas): سلة خبز أمريكا اللاتينية
تختلف سهول البمباس بشكل كبير عن السهول الشمالية؛ فهي سهول عشبية معتدلة تقع في جنوب القارة، وتُعتبر بحق المركز الاقتصادي الزراعي الأهم في أمريكا الجنوبية.
- الخصائص الجيولوجية: تتكون البمباس من طبقات سميكة من رواسب الـلوس (Loess) الرسوبية الناعمة والغنية بالمعادن، والتي تراكمت عبر العصور، مما أدى إلى تكوين تربة سوداء خصبة بشكل استثنائي.
- الإنتاج الاقتصادي: يُترجم هذا الخصوبة إلى إنتاج هائل من المحاصيل الزراعية مثل القمح وفول الصويا والذرة، مما يجعل الأرجنتين والأوروغواي من أكبر المصدرين الزراعيين في العالم. كما أن البمباس هي موطن لمراعي ضخمة تدعم صناعة اللحوم والألبان ذات الشهرة العالمية.
- الكثافة السكانية: بفضل ثرائها الاقتصادي، تُعد البمباس واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية وحضرية في أمريكا الجنوبية، حيث تقع فيها مدن كبرى مثل بوينس آيرس.
4. السهول الغربية الساحلية: التباين والضيق الجغرافي
إلى جانب السهول الداخلية الواسعة، توجد السهول الغربية، التي تُشكل شريطاً جغرافياً ضيقاً ومتبايناً يمتد على طول المحيط الهادي.
- الحدود القاسية: تتميز هذه السهول بكونها محصورة بين جبال الأنديز التي ترتفع بشكل مفاجئ وبزوايا حادة قريباً جداً من الساحل، وبين مياه المحيط الهادي. هذا القرب الشديد يحد من اتساع السهول بشكل كبير.
- التنوع المناخي المذهل: نظراً للامتداد الطولي للقارة، يظهر تباين هائل في المناخ؛ ففي الشمال، تكون السهول استوائية، وفي المنطقة الوسطى (تشيلي وبيرو) تتعرض لتأثير تيار بيرو (هامبولت) البارد، مما يخلق مناطق صحراوية شديدة الجفاف مثل صحراء أتاكاما، وهي من أكثر الأماكن جفافاً في العالم.
- الاقتصاد البحري: تعتمد المجتمعات الساحلية هنا بشكل كبير على الموارد البحرية بدلاً من الزراعة الداخلية، بسبب ضيق الأرض الصالحة للزراعة.