التكوينات الهضبية في أفريقيا: بين الانكسارات الأخدودية العظيمة والنشاط البركاني القديم

الطابع الهضبي لأفريقيا:

تُصنف أفريقيا جيولوجياً بأنها عبارة عن كتلة قارية قديمة ومستقرة، يغلب على تضاريسها المظهر الهضبي بنسبة تزيد عن 65% من مساحتها الكلية. هذه الهضاب ليست مجرد أراضٍ مرتفعة مستوية، بل هي كتل ضخمة تتخللها أحواض نهرية عميقة، وسلاسل جبلية بركانية، وأخاديد انكسارية تجعل منها نظاماً تضاريسياً معقداً وفريداً.


أولاً: هضاب شمال وغرب أفريقيا (الكتلة الصحراوية)

تمتاز هذه المنطقة باتساعها الهائل وانخفاض منسوبها النسبي مقارنة بشرق وجنوب القارة، وتتكون من:

  • هضبة الصحراء الكبرى:

هي أعظم هضاب العالم مساحة، وتمتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً. تتكون من صخور أركية قديمة غطتها الإرسابات الرملية والصخرية. وتبرز وسط هذه الهضبة كتل جبلية بركانية شاهقة مثل:

  1. كتلة الأحجار (الهقار): تقع في قلب الجزائر، وتعد مركزاً سياحياً وجيولوجياً هاماً، حيث تضم قممًا بركانية خامدة وتشكيلات صخرية نادرة.
  2. كتلة تيبستي: تقع في شمال تشاد وجنوب ليبيا، وتضم أعلى قمة في الصحراء الكبرى (جبل كوسي).

  • هضبة الشطوط:

تعد هضبة انتقالية تقع في بلاد المغرب العربي بين أطلس التل وأطلس الصحراوي. تتميز بظاهرة "الشطوط" وهي منخفضات ملحية مغلقة تمتلئ بالماء في الشتاء وتجف في الصيف، مما يجعلها بيئة رعوية موسمية هامة.

  • هضبة جيري (نيجيريا):

تقع في وسط نيجيريا وتعتبر من أهم مناطق التعدين في غرب أفريقيا، حيث تحتوي على رواسب القصدير والكولمبايت، وتمثل منطقة تقسيم مياه هامة بين حوض نهر النيجر وحوض بحيرة تشاد.


ثانياً: هضبة الحبشة (المرتفعات الإثيوبية)

تعتبر هذه الهضبة هي الأكثر تعقيداً وارتفاعاً، ويطلق عليها "سقف أفريقيا" نظراً لارتفاعها الذي يتجاوز 2500 متر فوق سطح البحر في معظم أجزائها.

  • التكوين والجيولوجيا: تشكلت نتيجة لنشاط بركاني هائل صاحب تكوين الأخدود الأفريقي العظيم، مما أدى إلى تراكم طبقات سميكة من "البازلت" التي كونت تربة بركانية خصبة جداً.
  • الأهمية المائية والاستراتيجية: تمثل هذه الهضبة "خزان المياه" لشرق أفريقيا، حيث تنحدر منها أنهار عنيفة وقوية مثل النيل الأزرق، وعطبرة، ونهر السوباط. وتتميز بأودية سحيقة يصل عمق بعضها إلى أكثر من ألف متر، مما يجعل التنقل بداخلها صعباً ولكنه يوفر حماية طبيعية.
  • المناخ والغطاء النباتي: بفضل ارتفاعها، تتمتع بمناخ معتدل وأمطار صيفية غزيرة، مما جعلها موطناً أصلياً لزراعة البن ومناطق جذب سكاني كثيفة.


ثالثاً: هضبة البحيرات الاستوائية

تقع في شرق وسط القارة، وتعرف بهذا الاسم لأنها تضم مجموعة من أكبر بحيرات العالم العذبة.

  • الظواهر الطبوغرافية: تتميز بوجود الأخدود الأفريقي العظيم الذي ينقسم فيها إلى فرعين (شرقي وغربي)، وتنتشر على جوانبه الجبال البركانية العالية مثل "كليمنجارو" و"كينيا".
  • النظام المائي: تتوسطها بحيرة فيكتوريا التي تعد خزان مياه ضخم يغذي نهر النيل (نيل فيكتوريا). كما تضم بحيرات أخدودية عميقة مثل بحيرة تنجانيقا (ثاني أعمق بحيرة في العالم).
  • الأهمية الاقتصادية: تعتبر من أخصب المناطق الزراعية في أفريقيا لتوفر المياه والتربة البركانية، وتشتهر بزراعة الشاي والبن والموز.


رابعاً: هضبة جنوب أفريقيا

تمتد من حوض نهر الزمبيزي شمالاً حتى جنوب القارة، وتمتاز بظاهرة الحافات الجبلية العالية.

  • هضبة الفلد العالي (Highveld): الجزء الشرقي منها هو الأكثر ارتفاعاً، وينحدر بشدة نحو المحيط الهندي مشكلاً حافة جبلية تعرف بجبال دراكنزبرج (جبال التنين).
  • صحراء كالاهاري: تشغل الجزء الأوسط والمنخفض من هذه الهضبة، وهي حوض رملي شاسع تحيط به المرتفعات من كل جانب.
  • الثروة المعدنية: تعتبر هذه الهضبة "الكنز المعدني" للعالم، حيث تحتوي على أكبر احتياطيات من الذهب، والألماس، والبلاتين، والكروم في مناطق مثل "راند" بجنوب أفريقيا.


خامساً: الأهمية العامة والنتائج المترتبة على النظام الهضبي

  • صعوبة الملاحة النهرية: نظراً لأن الأنهار تنحدر من فوق الهضاب نحو السهول الساحلية الضيقة، فإنها تشكل شلالات ومساقط مائية (مثل شلالات فيكتوريا)، مما يمنع السفن من الدخول لقلب القارة ولكن يوفر طاقة كهرومائية هائلة.
  • تأثير المناخ: المرتفعات الهضبية قللت من أثر الحرارة الاستوائية؛ فمناخ الهضبة في كينيا أو إثيوبيا أكثر اعتدالاً من مناخ السواحل الموازية لها، مما أثر على توزيع المستوطنات البشرية.
  • توزيع الموارد: ارتبطت الهضاب القديمة (الأركية) بوجود المعادن النفيسة، بينما ارتبطت الهضاب البركانية بالزراعة الكثيفة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال