المستشفيات في كردفان:
يشهد إقليم كردفان في السودان، بولاياته الثلاث (شمال، جنوب، وغرب كردفان)، أزمة إنسانية وصحية بالغة التعقيد جراء الصراعات المسلحة المستمرة. تحول هذا الإقليم الذي يمتد على مساحات شاسعة ويمثل حلقة وصل استراتيجية، إلى مسرح لتدهور متسارع في بنيته التحتية الطبية، حيث تواجه المستشفيات هناك تحديات غير مسبوقة تضع حياة الملايين على المحك.
فيما يلي استعراض مفصل وشامل لواقع المستشفيات في كردفان، خريطة عملها، وأبرز العقبات التي تواجه القطاع الصحي هناك.
الخريطة الهيكلية لأبرز مستشفيات الإقليم:
تتنوع المنشآت الطبية في كردفان بين مستشفيات تعليمية مرجعية، ومستشفيات متخصصة، ومرافق ريفية، ومن أهمها:
- مستشفى الأبيض التعليمي (شمال كردفان): يُعد المستشفى المرجعي الأكبر في الإقليم، ويتحمل العبء الأكبر في استقبال الجرحى والمصابين، بالإضافة إلى تقديم الخدمات الطبية العامة لسكان الولاية والولايات المجاورة.
- مستشفى الأبيض للولادة (شمال كردفان): يُعتبر المستشفى المرجعي الوحيد المتخصص في رعاية الأمومة والطفولة في غرب السودان ككل. يقدم خدماته لأعداد هائلة تشمل سكان المنطقة وأكثر من 230 ألف نازح، ويسجل معدلات ولادة مرتفعة للغاية تصل إلى عشرات الحالات يومياً.
- مستشفى مدينة النهود (غرب كردفان): يمثل مركزاً صحياً حيوياً في الولاية، إلا أنه عانى مؤخراً من اضطرابات أمنية بالغة أثرت على طاقته الاستيعابية وقدرته على تقديم الرعاية للمدنيين.
- مستشفى الدلنج ومستشفى كادوقلي (جنوب كردفان): مستشفيات رئيسية تقدم الخدمات في مناطق تعاني من حصار واشتباكات مستمرة، مما يجعل الوصول إليها مغامرة خطيرة للمرضى.
- مستشفى أم الرحمة (جبال النوبة): مستشفى حيوي تأسس في منطقة جبلية وعرة بجهود طوعية، ويعد شريان الحياة الطبي الوحيد لمئات الآلاف من السكان في تلك المناطق المعزولة.
واقع التشغيل ومؤشرات الانهيار الصحي:
يعيش النظام الصحي في كردفان حالة من الشلل شبه الكامل، حيث تفيد التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة السودانية والمنظمات الدولية (مثل منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان) بخروج أغلب المرافق الطبية عن الخدمة.
في شمال كردفان على سبيل المثال، خرج 21 مستشفى عن الخدمة تماماً من أصل 27 مستشفى، ولم يتبقَ سوى 6 مستشفيات فقط تعمل جزئياً وضمن ظروف بالغة التعقيد. هذا الإغلاق الواسع لم يكن نتيجة نقص الكوادر فحسب، بل يعود إلى الاستهداف المباشر بالقصف المدفعي وهجمات الطائرات المُسيّرة، إلى جانب تحويل بعض المرافق الطبية (مثل أجزاء من مستشفى النهود) إلى ثكنات عسكرية ومراكز قيادة من قبل الأطراف المتصارعة، مما يحرم المدنيين تماماً من حقهم الأساسي في العلاج.
أبرز التحديات والعقبات التشغيلية:
تواجه المستشفيات القليلة المستمرة في العمل شبكة معقدة من الأزمات الخانقة التي تحول دون أداء دورها الإنساني، ومن أبرزها:
1. الانهيار الحاد في سلاسل الإمداد الطبي:
تعاني المستشفيات من نفاذ شبه كامل للأدوية المنقذة للحياة، والمضادات الحيوية، والمحاليل الوريدية، والخيوط الجراحية، ومستلزمات التخدير. هذا النقص الحاد دفع ببعض المستشفيات المرجعية (كمستشفى الأبيض للولادة) إلى إغلاق بعض غرف العمليات، حيث لا يعمل به سوى 4 غرف من أصل 7، مما تسبب في زيادة وفيات الأمهات والأطفال نتيجة الانتظار أو غياب أدوات التخدير المعقمة.
2. أزمة الطاقة والوقود:
يتسبب الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي في شل حركة غرف العمليات وأقسام العناية المكثفة وحاضنات الأطفال حديثي الولادة. وتعتمد المستشفيات بشكل أساسي على المولدات الكهربائية التي تواجه بدورها معضلة الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود وصعوبة تأمينه، ورغم محاولات بعض المنظمات الدولية إدخال منظومات الطاقة الشمسية، إلا أنها لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات الضخمة.
3. استهداف ونزوح الكوادر الطبية:
تتعرض الطواقم الطبية من أطباء وممرضين لانتهاكات مستمرة ومضايقات أمنية، فضلاً عن اتهامات بالانحياز لأطراف النزاع. هذا الوضع الأمني المتردي دفع بالغالبيّة العظمى من الكوادر المؤهلة إلى النزوح قسراً نحو ولايات أكثر أماناً أو خارج البلاد، مما ترك المستشفيات العاملة تحت إشراف أعداد قليلة جداً من المتطوعين والمساعدين الطبيين الذين يعملون فوق طاقتهم البشرية ودون أجور منتظمة.
4. تفشي الأوبئة وضغط النزوح:
تستقبل مدن كردفان مئات الآلاف من النازحين الفارين من مناطق القتال، مما شكل ضغطاً يفوق القدرة الاستيعابية للمستشفيات بمئات المرات. وتزامن هذا التكدس مع تدهور بيئي حاد أدى إلى تفشي أمراض وبائية قاتلة مثل الكوليرا وحمى الضنك، في وقت تفتقر فيه المستشفيات والمراكز الريفية المحيطة بها إلى أبسط الأمصال والمحاليل اللازمة لمواجهة هذه الأوبئة.
تظل المستشفيات في إقليم كردفان تصارع من أجل البقاء بفضل جهود محلية وطوعية مستبسلة، إلا أن استمرار غياب الممرات الآمنة لإيصال المساعدات، واستمرار استهداف المنشآت الطبية، يهدد بتحول الإقليم إلى منطقة عجز طبي كامل، مما يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً للضغط من أجل تحييد المرافق الصحية وحماية ما تبقى من أرواح.