أقدم مستشفى في مصر: رحلة تاريخية مثيرة من البيمارستان الطولوني إلى قصر العيني الحديث

تتمتع مصر بتاريخ طبي وحضاري فريد يمتد لآلاف السنين، حيث لم تكن الرعاية الصحية مجرد ممارسات فردية، بل تحولت مبكراً إلى مؤسسات علاجية منظمة ومتقدمة سبقت بها مصر دول العالم.

إذا بحثنا عن أقدم مستشفى في مصر بمعناه المؤسسي المتكامل، سنحتاج أولاً إلى التمييز بين أول بيمارستان (مستشفى تاريخي بمفهومه القديم) تأسس في العصر الإسلامي، وبين أقدم مستشفى تعليمي ما زال يعمل بنظامه الحديث حتى اليوم.


البيمارستان العتيق (أحمد بن طولون): أول مستشفى متكامل في تاريخ مصر

يُعد البيمارستان العتيق (أو البيمارستان الطولوني) أول مستشفى حقيقي بمفهومه الشامل يُبنى في مصر.

  • تاريخ التأسيس: أنشأه الأمير أحمد بن طولون (مؤسس الدولة الطولونية) في عام 259هـ / 872م في مدينة القطائع (القاهرة حالياً).
  • التكلفة والتجهيز: أنفق ابن طولون على بنائه وتجهيزه حوالي 60 ألف دينار، وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس ذلك العصر لضمان أعلى معايير الجودة الطبية والخدمية.
  • الرعاية الصحية الشاملة: لم يقتصر المستشفى على علاج الأمراض العضوية فحسب، بل كان أول مؤسسة طبية تُوثق السجلات تقديمها الرعاية المتكاملة للمصابين بالأمراض النفسية والعقلية إلى جانب المرضى العامّين.

نظام الرعاية المتقدم في البيمارستان الطولوني

فاق هذا البيمارستان الأنظمة الطبية السائدة في أوروبا لقرون طويلة، وتجلّى ذلك في عدة جوانب تنظيمية وإنسانية مذهلة:

  • العلاج المجاني للجميع: كان المستشفى مفتوحاً لعامة الشعب والفقراء بالمجان تماماً، دون تمييز على أساس الجنسية، الطبقة الاجتماعية، أو الدين.
  • التعقيم والملابس الخاصة: لم يكن يُسمح للمرضى بدخول المستشفى بملابسهم العادية تجنباً لنقل العدوى؛ بل كانت تُصرف لهم ثياب معقمة خاصة بالمستشفى، وتُحفظ أمتعتهم الشخصية وأموالهم في الأمانات حتى يتم شفاؤهم.
  • الأقسام المتخصصة والصيدلة: ضم المستشفى أقساماً منفصلة لكل نوع من الأمراض، ملحقاً بها صيدلية ضخمة لتوفير الأدوية والعقاقير بالمجان، ومكتبة علمية احتوت على آلاف المجلدات الطبية.


البيمارستان المنصوري (قلاوون): قلعة الطب في العصر المملوكي

عند الحديث عن التطور التاريخي للمستشفيات في مصر، لا يمكن إغفال البيمارستان المنصوري الذي أسسه السلطان المنصور سيف الدين قلاوون عام 1284م في قلب شارع المعز بالقاهرة التاريخية.

يُعتبر هذا البيمارستان من أعظم المآثر الطبية والمعمارية في العصور الوسطى، ومنه اشتق المصريون كلمة "مورستان" الشهيرة.

  • السعة الاستيعابية: كان المستشفى ضخماً للغاية ويتسع لعلاج ما بين 4000 إلى 8000 مريض في وقت واحد.
  • الرفاهية والعلاج النفسي: تميز البيمارستان باستخدام وسائل علاجية مبتكرة مثل "العلاج بالموسيقى" والقصص للتخفيف من آلام المرضى ومن يعانون من الأرق.
  • الاستمرارية التاريخية: استمر هذا المكان في تقديم خدماته الطبية عبر العصور. وفي عام 1915م، جرى تخصيص موقعه ليكون مستشفى متخصصاً في طب وجراحة العيون (مستشفى رمد قلاوون)، والذي ما زال يستقبل المرضى ويقدم الرعاية الطبية حتى يومنا هذا.


مستشفى قصر العيني: بداية العصر الطبي الحديث

بينما تمثل البيمارستانات العصر الإسلامي الوسيط، يبرز مستشفى قصر العيني كأقدم وأعرق مستشفى تعليمي حديث في مصر والشرق الأوسط.

  • النشأة والتأسيس: تأسس قصر العيني في البداية عام 1827م في منطقة "أبو زعبل" كأول مدرسة للطب ومستشفى عسكري تحت إشراف الطبيب الفرنسي الشهير كلوت بك بتكليف من محمد علي باشا.
  • الانتقال التاريخي: انتقل المستشفى والكلية إلى موقعه الحالي على ضفاف النيل بالقاهرة عام 1837م، متخذاً من قصر "أحمد بن العيني" مقراً له، لتبدأ من هناك نهضة الطب الحديث في العالم العربي.
  • منبع الإنجازات العلمية: شهد قصر العيني اكتشافات طبية غيرت مجرى الطب العالمي، لعل أبرزها اكتشاف الطبيب "تيودور بلهارس" للديدان المسببة لمرض البلهارسيا داخل أروقة هذا المستشفى عام 1851م.

تظل مصر من خلال هذه الصروح التاريخية رائدة في تأسيس الرعاية الصحية المجانية والتعليم الطبي المنظم، حيث يمتزج عبق التاريخ الإنساني بأحدث ما توصلت إليه العلوم الطبية الحديثة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال