الأحكام الصادرة عن المحاكم المصرية:
تعد الأحكام القضائية في مصر الثمرة النهائية لعملية التقاضي، وهي العناوين التي تُصاغ بها الحقيقة القانونية في المنازعات. يستند النظام القضائي المصري في إصدار أحكامه إلى مزيج من القوانين الوضعية المستمدة من النظام اللاتيني (الفرنسي) والشريعة الإسلامية، وتتنوع هذه الأحكام وفقاً لطبيعتها، وقابليتها للطعن، وأثرها القانوني.
فيما يلي عرض مفصل وشامل لمنظومة الأحكام الصادرة عن المحاكم المصرية:
أولاً: تعريف الحكم القضائي وأركانه
الحكم القضائي هو القرار الصادر عن محكمة تشكلت تشكيلاً صحيحاً، في خصومة رُفعت إليها وفقاً لقواعد قانون المرافعات أو الإجراءات الجنائية، ويكون الهدف منه الفصل في موضوع النزاع أو في إجراء من إجراءاته. لكي يكون الحكم صحيحاً ومنتجاً لآثاره، يجب أن يتضمن ديباجة تذكر اسم المحكمة والقضاة، وأسباباً واقعية وقانونية تبرر النتيجة، ومنطوقاً وهو الجزء الذي يتم تنفيذه.
ثانياً: تقسيمات الأحكام من حيث الأثر الموضوعي
تنقسم الأحكام في القانون المصري من حيث ما تقرره من حقوق إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
- الأحكام التقريرية: وهي الأحكام التي تقتصر على تأكيد وجود مركز قانوني أو حق معين أو نفيه، دون أن تلزم الخصم بأداء معين. مثال ذلك الحكم بصحة توقيع على عقد، أو الحكم بنفي نسب أو إثباته.
- الأحكام المنشئة: هي التي تقوم بإنشاء مركز قانوني جديد أو تعديل مركز قائم أو إنهاؤه. ومن أمثلتها الحكم بالتطليق (ينهي علاقة زوجية) أو الحكم بالحجر على شخص (يغير أهليته القانونية).
- الأحكام الإلزامية: وهي الأكثر شيوعاً، حيث تقضي بإلزام المحكوم عليه بأداء معين (دفع مبلغ مالي، تسليم عقار، القيام بعمل). وهذا النوع هو الوحيد الذي يقبل التنفيذ الجبري بواسطة المحضرين وقوات التنفيذ.
ثالثاً: تصنيف الأحكام من حيث قابليتها للطعن
تتدرج الأحكام في قوتها القانونية بناءً على الدرجة القضائية التي صدرت منها ومدى استنفاد طرق الطعن:
- الأحكام الابتدائية: هي الأحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأولى (المحاكم الجزئية أو الابتدائية) وتكون قابلة للطعن عليها بطريق الاستئناف.
- الأحكام النهائية: هي الأحكام التي استنفدت طريق الطعن بالاستئناف، أو فات ميعاد الطعن عليها، فتصبح واجبة النفاذ (حتى لو كان من الممكن الطعن عليها بالنقض في حالات معينة).
- الأحكام الباتة: هي أعلى درجات الأحكام قوة، وهي التي لا يقبل الطعن عليها بأي طريق من طرق الطعن العادية (المعارضة والاستئناف) أو غير العادية (النقض والتماس إعادة النظر).
- الأحكام القطعية: هي التي تفصل في أصل النزاع أو في جزء منه فصلاً حاسماً، بحيث ترفع يد المحكمة عن الخصومة.
رابعاً: الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع
ليست كل الأحكام تنهي القضية، فهناك أحكام تصدر أثناء سير الدعوى لتنظيم الخصومة:
- الأحكام التحضيرية: تصدر لتجهيز الدعوى للحكم، مثل ندب خبير أو سماع شهود، ولا تعبر عن رأي المحكمة في الموضوع.
- الأحكام التمهيدية: تسبق الحكم النهائي وتكشف عن اتجاه المحكمة، كالحكم بإحالة الدعوى للتحقيق لإثبات واقعة معينة.
- الأحكام الوقتية: تصدر في القضاء المستعجل لحماية مراكز قانونية مهددة بالخطر حتى يفصل في أصل الحق.
خامساً: الأحكام من حيث حضور الخصوم
يفرق القانون المصري بين حالتين بناءً على حضور المدعى عليه أو المتهم:
- الحكم الحضوري: يصدر إذا حضر الخصم جلسات المحاكمة أو قدم مذكرة بدفاعه.
- الحكم الغيابي: يصدر في غيبة الخصم الذي لم يحضر ولم يقدم دفاعاً، وهذا النوع يسمح للمحكوم عليه في المواد الجنائية (الجنح) بسلوك طريق "المعارضة" لإعادة نظر القضية أمام نفس المحكمة.
سادساً: جهات إصدار الأحكام في مصر
تتوزع سلطة إصدار الأحكام بين جهتين قضائيتين رئيسيتين:
- القضاء العادي: ويشمل المحاكم المدنية، الجنائية، الأحوال الشخصية، والمحاكم الاقتصادية. وتتربع على قمته "محكمة النقض" التي تراقب صحة تطبيق القانون.
- قضاء مجلس الدولة (القضاء الإداري): يختص بالمنازعات التي تكون الدولة طرفاً فيها، ويصدر أحكاماً في إلغاء القرارات الإدارية والتعويض عنها، وتتربع على قمته "المحكمة الإدارية العليا".
تعتبر حجية الأمر المقضي به هي الأثر الأهم للحكم القضائي، حيث تمنع الخصوم من إعادة طرح نفس النزاع أمام القضاء مرة أخرى، مما يضمن استقرار المراكز القانونية في المجتمع المصري.