جمعية بيروت السرية: القصة المنسية لأول عمل ثوري عربي بدأ بمنشورات سرية وطالب بالحكم الذاتي

جمعية بيروت السرية (1875): شرارة الوعي القومي الحديث

تُعتبر جمعية بيروت السرية التي ظهرت في عام 1875 معلمًا أساسيًا في تاريخ اليقظة العربية الحديثة، إذ شكلت أول تنظيم سياسي سري معاصر يرفع صوته علنًا ضد الإدارة العثمانية.


1. المنشأ والخلفية الفكرية للمؤسسين:

تأسست الجمعية على يد مجموعة لا تتجاوز الخمسة، جميعهم من خريجي الكلية السورية البروتستانتية (التي أصبحت لاحقًا الجامعة الأمريكية في بيروت). لم يكن هذا الاختيار محض صدفة، بل كان له دلالات عميقة:

أ. دور الكلية السورية البروتستانتية (SPC):

كانت الكلية مركزًا حيويًا لتداول الأفكار التنويرية والقومية الغربية. لم يقتصر التعليم فيها على العلوم البحتة، بل أسهم في:

  • تكوين الوعي المدني: تعرّف الطلاب على مفاهيم مثل الحقوق المدنية، والحكم الدستوري، والمواطنة، وهي مفاهيم غائبة أو مكبوتة في ظل النظام العثماني الاستبدادي.
  • الاطلاع على التجربة الأوروبية: أتاح لهم المنهاج المتقدم مقارنة وضع بلادهم المتخلف والمنهك تحت الحكم التركي، بالتقدم الذي أحرزته أوروبا الغربية. هذا التباين ولد لديهم شعوراً بالإحباط والغبن، وحفزهم على البحث عن سبل للخلاص والنهضة.

ب. دافع الهوية العربية:

على الرغم من التنشئة في مؤسسة ذات طابع غربي، إلا أن المؤسسين تبنوا الهوية العربية كإطار لانتقادهم السياسي. هذا يمثل انتقالاً من الوعي الثقافي والأدبي الذي ساد في النصف الأول من القرن التاسع عشر (عصر النهضة الأدبية)، إلى الوعي السياسي المنظم المطالب بالحقوق ضمن إطار قومي محدد.


2. الفعل الثوري الرائد: توزيع المنشورات السرية

كان العمل الأساسي الذي قامت به الجمعية هو توزيع المنشورات السرية في بيروت، وهي خطوة غير مسبوقة شكّلت أول تعبير ثوري عربي سياسي علني ضد السلطة العثمانية.

أ. مضمون النقد (مساوئ الحكم التركي):

لم تكن المنشورات مجرد شجب عام، بل قدمت نقداً ممنهجاً يركز على:

  • الاستغلال الاقتصادي: فضحت المنشورات سياسات فرض الضرائب الجائرة التي كانت تهدف إلى استنزاف موارد الولايات العربية لصالح الخزينة المركزية، دون تقديم خدمات تذكر أو السماح بالاستثمار والتنمية المحلية.
  • الجمود الإداري والتخلف: أشارت إلى أن البيروقراطية العثمانية كانت تعاني من الفساد والتعيينات غير الكفؤة القائمة على المحسوبية الطائفية أو العرقية، مما أدى إلى تدهور البنية التحتية وغياب الأمن الفعال.
  • التتريك الثقافي: أثاروا القلق من محاولات السلطنة فرض اللغة التركية في الإدارة والتعليم على حساب اللغة العربية، مما كان يُنظر إليه كتهديد للهوية الثقافية القومية.

ب. أسلوب التوزيع السري (التأثير الدرامي):

اعتمدت الجمعية على السرية التامة في طباعة ونشر هذه المنشورات، وكانت توزع في أوقات محددة وفي أماكن عامة رئيسية (مثل أبواب الكنائس، والمساجد، والمنشآت الحكومية الكبيرة). هذا الأسلوب:

  • أحدث صدمة: كانت رؤية نقد سياسي صريح مكتوب باللغة العربية وموجه ضد السلطة العليا في الأماكن العامة يمثل صدمة للمجتمع الذي اعتاد على الخضوع، وأجبر العامة على التفكير في المظالم المطروحة.
  • عزز الثقة: أظهر وجود قوة منظمة ومستعدة للمخاطرة، مما أعطى دفعة للأفراد الذين كانوا يشعرون بالاستياء لكنهم لم يجدوا من يعبر عنهم.

3. صياغة المطلب السياسي: الدعوة للحكم الذاتي

لم تقف الجمعية عند حدود النقد، بل قدمت مطالب واضحة ومحددة، وهي الأهم في سياق تطور الفكر القومي:

أ. نظام ذاتي لسوريا ولبنان:

كان المطلب الجوهري هو إقامة نظام ذاتي (حكم ذاتي) في ولايتي سوريا ولبنان. هذه الدعوة كانت خطوة عملية ومحسوبة:

  • هدف واقعي: بدلاً من المطالبة بالاستقلال التام الذي قد يكون مستحيلاً في تلك اللحظة التاريخية، اختارت الجمعية الحكم الذاتي كهدف مرحلي يسمح بـ:

  1. تحويل السلطة الإدارية: إسناد الإدارة والمسائل المالية والقضائية إلى يد السكان المحليين المتعلمين.
  2. تخفيف القبضة المركزية: تقليص صلاحيات الوالي العثماني المباشر وزيادة سلطة المجالس المحلية المنتخبة أو المعينة من النخبة المحلية.
  • التركيز الإقليمي: اقتصرت الدعوة على سوريا ولبنان، ربما بسبب المركزية الجغرافية والفكرية لبيروت كعاصمة للنشاط القومي المبكر، ولأن هذه المنطقة كانت الأكثر عرضة للتأثيرات الغربية والمبكرة في احتضان التنوير.

ب. التداعيات والأثر المستقبلي:

على الرغم من قصر عمرها وعدم معرفة مصير أعضائها الخمسة بالكامل، فإن جمعية بيروت السرية كانت بمثابة بيان رسمي غير معلن ببدء مرحلة جديدة من الصراع العربي العثماني.

  • أكدت أن النخبة المتعلمة لم تعد تكتفي بالإصلاح الاجتماعي والثقافي، بل بدأت تطالب بإصلاح سياسي جذري.
  • وضعت مفهوم "الحق الذاتي" كأول مطلب سياسي معاصر يخرج من رحم العمل السري، وألهمت تأسيس جمعيات مماثلة لاحقًا، مثل الجمعيات التي ظهرت بعد إعلان الدستور العثماني عام 1908.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال