الحكم العثماني للحجاز: أربعة قرون من حماية السيادة والخدمة
يمثل دخول الحجاز تحت السيادة العثمانية عام 1517م (923هـ) نقطة تحول كبرى في تاريخ العالم الإسلامي، حيث انتقلت مسؤولية حماية وخدمة الأماكن المقدسة إلى سلاطين آل عثمان. لم يكن هذا الحكم احتلالاً بالمعنى التقليدي بقدر ما كان وصاية دينية وسياسية حرصت على احترام الوضع القائم إلى حد كبير.
انتقال السيادة ولقب "خادم الحرمين":
تم الاستيلاء على الحجاز بعد هزيمة المماليك وسقوط مصر في يد السلطان سليم الأول. أرسل الشريف بركات الثاني، شريف مكة، مفاتيح الكعبة المشرفة إلى سليم الأول، معلناً بذلك الولاء للدولة العثمانية. ومنذ ذلك الحين، حرص السلاطين على حمل لقب "خادم الحرمين الشريفين"، وهو لقب سعى سليم الأول لتأكيد مكانته به على رأس العالم الإسلامي. لم يكن الهدف الأساسي للعثمانيين من السيطرة هو الاستغلال الاقتصادي، بل كان الالتزام الديني بضمان الأمن واليسر للحجاج، وحماية السواحل من القوى الأوروبية الصاعدة، خاصة البرتغال في البحر الأحمر.
طبيعة الإدارة المزدوجة: الشرافة والولاية
تميز النظام الإداري العثماني في الحجاز بـ الازدواجية والاعتماد المتبادل بين سلطتين:
1. سلطة شرافة مكة (القوة المحلية):
أبقى العثمانيون على إمارة مكة المكرمة في أيدي الأشراف من آل البيت النبوي (بنو قتادة)، وهو نظام وراثي حكم مكة منذ القرن الرابع الهجري. كانت شرافة مكة تمثل:
- السلطة المدنية والشرعية: حيث كان الشريف مسؤولاً عن إدارة شؤون مكة والمنطقة المحيطة بها، وتطبيق الأحكام الشرعية، وحل النزاعات القبلية.
- ضامن الاستقرار القبلي: كان على الشريف تأمين قوافل الحج بالتفاهم مع القبائل المنتشرة على الطرق، وغالباً ما كان يتم ذلك عبر منح هذه القبائل رواتب سنوية (الصرة) مقابل حماية الطرق.
- الواجهة السيادية: كان تعيين الشريف يتم بفرمان من السلطان العثماني، لكن كان له حرية واسعة في تسيير الأمور الداخلية، مما جعل الحجاز تحت سيادة اسمية قوية، لكن بإدارة محلية فعالة.
2. الإدارة العثمانية المباشرة (القوة المركزية):
تركز الوجود العثماني المباشر في النقاط الاستراتيجية والمشاريع الكبرى:
- الولاة والموظفون: كان يتواجد موظفون عثمانيون في المدن الساحلية مثل جدة وينبع لإدارة الموانئ والجمارك، وتمثيل السلطة المركزية.
- الحاميات العسكرية: تم وضع حاميات صغيرة في مكة والمدينة وجدة لحماية الطرق وبعثات الحج، ولتوفير الدعم العسكري للشريف عند الضرورة.
- إدارة الأوقاف والخدمات: كان للإدارة العثمانية دور مباشر في إدارة الأوقاف الكبيرة التي خصصت للحرمين، وضمان وصول الإمدادات والمخصصات المالية من إسطنبول والقاهرة.
بعد عام 1872م، تطورت الإدارة وأصبحت ولاية الحجاز مباشرة تحت إشراف الباب العالي في محاولة لتقوية المركزية العثمانية في وجه التحديات الداخلية والخارجية.
دعم الحرمين الشريفين والخدمات الدينية:
كان الجانب الأهم في الحكم العثماني هو التزامهم المالي والمعماري تجاه الحرمين:
- الصرة السنوية: كان نظام الصرة السلطانية هو العصب الاقتصادي للحجاز. وهي عبارة عن أموال وعطايا عينية ثمينة كانت تُرسل سنوياً من إسطنبول عبر طريق الشام أو مصر، تُوزع على أهل الحرمين، وخاصة المجاورين والعلماء والفقراء، وكان لهذه الصرة دور كبير في دعم الاقتصاد المحلي.
- العمارة والترميم: قدم السلاطين العثمانيون إسهامات معمارية ضخمة، خاصة في ترميم وتوسعة الحرمين. من أبرز هذه الأعمال:
- توسعة المسجد الحرام: الترميمات التي تمت في عهد السلطان سليمان القانوني ومن بعده، التي شملت بناء الأروقة والأقواس.
- عمارة المسجد النبوي: شهد المسجد النبوي توسعة وترميمات مهمة، لا سيما القبة الخضراء التي أُعيد بناؤها بشكلها الحالي.
- المشاريع الخدمية: اهتم العثمانيون بتوفير المياه للمدينتين المقدستين، وتأمين طريق الحج المصري والشامي بشكل خاص، ما ضمن تدفق الحجاج وسهولة وصولهم.
سكة حديد الحجاز: مشروع الوحدة والربط
يعد مشروع سكة حديد الحجاز الذي بدأ عام 1900م في عهد السلطان عبد الحميد الثاني رمزاً لمحاولة العثمانيين توطيد سيطرتهم وربط الحجاز بقلب الدولة بشكل أقوى. كان الهدف المعلن للمشروع هو:
- تسهيل الحج: اختصار رحلة الحج الشاقة التي كانت تستغرق شهوراً إلى أيام معدودة.
- توطيد الوحدة: ربط مركز الخلافة بالمدن المقدسة بطريق آمن وخاص بالمسلمين، حيث كان التمويل يعتمد على تبرعات المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
- الدعم العسكري: تمكين الدولة من نقل الجند والعتاد بسرعة لحماية المنطقة في وجه أي خطر.
على الرغم من عدم اكتمال السكة حتى مكة، إلا أنها وصلت إلى المدينة المنورة، وكان لها أثر كبير في نمو هذه المدينة تجارياً وسكانياً في تلك الفترة.
نهاية الحكم: الثورة العربية الكبرى وسقوط المدينة
دخل الحكم العثماني مرحلة الانهيار مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، التي أضعفت الدولة بشكل كبير.
- الخلاف مع الشريف: بدأت التوترات تزداد بين الشريف حسين بن علي والإدارة العثمانية المركزية التي حاولت تقييد سلطته وتمركز الإدارة.
- الثورة العربية: في عام 1916م، أعلن الشريف حسين الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، مستغلاً ضعفهم وتنامي الشعور القومي، وبدعم من بريطانيا. سقطت مكة وجدة والطائف سريعاً في يد قوات الشريف.
- صمود المدينة المنورة: كان أبرز مثال على نهاية الحكم العثماني هو صمود الحامية العثمانية في المدينة المنورة تحت قيادة فخري باشا. استمرت الحامية في الدفاع عن المدينة لمدة سنتين ونصف بعد بدء الثورة، وقاومت الحصار حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية، ولم تسلم إلا في يناير 1919م بعد تلقي الأوامر مباشرة من إسطنبول، لطي صفحة الحكم العثماني للحجاز نهائياً.