مستشفيات الأطفال في سوريا:
تحتل رعاية الطفولة الصدارة في أولويات النظم الصحية حول العالم، وفي الجمهورية العربية السورية، تشكل "مستشفيات الأطفال" وأقسامها التخصصية البنية التحتية الأساسية لحماية الأجيال الناشئة. يتسم هذا القطاع في سوريا بخصوصية فريدة؛ إذ يدمج بين تقديم الخدمات العلاجية والوقائية المجانية أو شبه المجانية من جهة، والدور الأكاديمي والتعليمي لتأهيل الكوادر الطبية من جهة أخرى. ورغم المحطات الريادية التاريخية التي مر بها، فإنه يواجه اليوم تحديات مركبة تفرضها الظروف الاقتصادية والمعيشية الراهنة.
مستشفى الأطفال الجامعي بدمشق: الصرح التاريخي والريادي الأول:
عند الحديث عن مستشفيات الأطفال التخصصية في سوريا، يبرز مستشفى الأطفال الجامعي بدمشق (الواقع في منطقة المزة بجانب مستشفى المواساة) كأهم صرح طبي متخصص بالكامل وحصرياً في طب الأطفال على مستوى البلاد.
- التأسيس والهوية: أُحدث هذا المستشفى بموجب المرسوم التشريعي رقم 13 تاريخ 1 أيار 1978، ثم تحول إلى هيئة عامة مستقلة بموجب القانون رقم 23 لعام 2000. يرتبط المستشفى بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي إدارياً، وبكلية الطب في جامعة دمشق علمياً وأكاديمياً.
- الدور الأكاديمي والخدمي: يمثل المستشفى المرجعية الطبية الأولى في سوريا لاستقبال الحالات المعقدة والمستعصية والخدّج المحالين من كافة المحافظات. وبالتوازي مع دوره الخدمي، يعد هيئة تعليمية رائدة؛ حيث يتم فيه تدريب طلاب كليات الطب، وأطباء الدراسات العليا، وطلاب البورد العربي، بالإضافة إلى طلبة المعاهد الطبية ومدرسة التمريض، وفيه تُعد رسائل الماجستير والدكتوراه التخصصية.
الهيكل الطبي والأقسام التخصصية:
تتميز الرعاية الطبية للأطفال في سوريا بالعموم، وفي المستشفيات الجامعية بالخصوص، بتعدد الأقسام والوحدات الدقيقة التي تغطي مختلف الاحتياجات الطبية من لحظة الولادة وحتى سن المراهقة. ومن أبرز هذه الشُعب والوحدات:
- شعبة الإسعاف والعيادات الخارجية والإقامة المؤقتة: وهي خط الدفاع الأول للاستجابة الطارئة والفرز الأولي للمرضى، وتقديم الاستشارات الطبية اليومية في مختلف الاختصاصات (كالجراحة العامة، العظمية، القلبية، والعصبية).
- شعبة الخديج والوليد: وهي واحدة من أكثر الشعب حرجاً، حيث تضم الحواضن الحديثة وأجهزة المراقبة والعناية الفائقة المخصصة للأطفال المولودين باكراً أو الذين يعانون من مشاكل تنفسية وبنيوية بعد الولادة مباشرة.
- الوحدات التخصصية الدقيقة: وتشمل وحدة أمراض الدم والأورام، وحدة أمراض الكلية الصناعية وزرع الكلية، وحدة الأمراض الوراثية والصبغيات، وحدة أمراض الغدد والاستقلاب، ووحدة أمراض الهضم والتنظير.
- المشاريع الاستراتيجية والتطويرية: سعى القطاع عبر السنين لإطلاق مشاريع تخصصية بالغة الدقة لم تكن متوفرة بسهولة، مثل مشروع مركز جراحة القلب عند الأطفال، ومشروع مركز زرع نقي العظام للأطفال، بهدف توطين هذه العلاجات المعقدة محلياً.
خارطة الخدمات التخصصية في المحافظات السورية:
بينما يستقطب مستشفى الأطفال الجامعي بدمشق الثقل الأكبر من الحالات، تعتمد بقية المحافظات السورية على نظام أقسام الأطفال الكبرى والأجنحة التخصصية المدمجة ضمن المستشفيات الحكومية والجامعية العامة، ومنها:
- مستشفيات حلب: يبرز مستشفى حلب الجامعي ومستشفى التوليد وأمراض النساء والأطفال بحلب كركائز أساسية لخدمة المنطقة الشمالية، حيث تضم أجنحة واسعة لطب الأطفال وجراحتها، والعناية المشددة للأطفال.
- المنطقتان الوسطى والساحلية: تقدم المستشفيات الوطنية والجامعية في حمص، حماه، واللاذقية (مثل مستشفى تشرين الجامعي)، والطرطوس خدمات متكاملة عبر شعب خاصة بالأطفال، مجهزة بوحدات حواضن ومخابر تحليل ومراكز لمعالجة التلاسميا وأمراض دم الأطفال.
واقع المنظومة: بين الخدمة الإنسانية والتحديات الراهنة
يعيش قطاع مستشفيات الأطفال في سوريا مفارقة حادة؛ فمن ناحية، يستمر الأطباء والكوادر التمريضية في بذل جهود إنسانية هائلة لاستقبال آلاف الأطفال يومياً وتقديم الخدمات المتاحة، ولكن من ناحية أخرى، تفرض الأزمات الاقتصادية الخانقة والعقوبات ظلالها الثقيلة على جودة هذه الخدمات، ويمكن تلخيص أبرز هذه التحديات في النقاط التالية:
- استنزاف وهجرة الكوادر الطبية: يعاني القطاع من نقص حاد في الأطباء الاختصاصيين والممرضات المؤهلات بسبب موجات الهجرة الواسعة الناتجة عن تدني الأجور والظروف المعيشية، مما يضع عبء العمل الأكبر على كاهل أطباء الدراسات العليا والمقيمين.
- صيانة التجهيزات الطبية الطارئة: تعاني المستشفيات من تعطل وتوقف بعض الأجهزة الحيوية (مثل أجهزة الرنين المغناطيسي، الطبقي المحوري، أو بعض الحواضن وأجهزة التعقيم) لفترات طويلة بسبب صعوبة تأمين قطع التبديل لانتهاء العمر الافتراضي للمعدات أو لضعف ميزانيات الصيانة.
- شح الأدوية والمستهلكات: تأثرت سلاسل التوريد الدوائي بشكل كبير، مما يؤدي أحياناً إلى نقص في بعض الأدوية النوعية (كالمضادات الحيوية المتقدمة أو جرعات الأورام)، مما يضطر الأهالي أحياناً لتأمينها من الصيدليات الخارجية بتكاليف مرتفعة.
- التحول الاقتصادي للمؤسسات الحكومية: نتيجة للتضخم وفجوات التمويل، اتجهت الهيئات العامة الطبية (ومنها مستشفى الأطفال بدمشق) في السنوات الأخيرة إلى تعديل أسعار الخدمات الطبية في الأقسام المأجورة (القسم الخاص) والعيادات الخارجية بنسب مرتفعة لتغطية نفقات التشغيل، مع الإبقاء على الأقسام العامة لخدمة الشريحة الأشد فقراً، ورغم ذلك، يبقى العبء المالي الإجمالي كبيراً على كاهل المواطن السوري.
يظل قطاع مستشفيات الأطفال في سوريا صمام الأمان الصحي للبلاد، ورغم كل الندوب والتحديات الهيكلية التي يعاني منها، فإنه لا يزال يمثل الملاذ العلاجي الأساسي لملايين العائلات التي تبحث عن أمل الشفاء لأطفالها.