اليورانيوم في فلسطين: الثروة الكامنة في صخور النقب
يمثل اليورانيوم العمود الفقري للصناعات النووية السلمية، خاصة في توليد الطاقة الكهربائية. وفي حين تمتلك بعض الدول مناجم يورانيوم صافية، تعتمد دول أخرى على "المصادر غير التقليدية" مثل صخور الفوسفات، وهو ما ينطبق تماماً على التكوينات الجيولوجية في جنوب فلسطين.
الارتباط الجيولوجي بين الفوسفات واليورانيوم:
ينتمي اليورانيوم الموجود في صحراء النقب إلى فئة اليورانيوم الرسوبي. فمن الناحية الكيميائية، يمتلك عنصر اليورانيوم ألفة شديدة للارتباط بمعدن "الأباتيت" المكون الأساسي للفوسفات. أثناء تشكل هذه الصخور عبر العصور الجيولوجية، استبدلت ذرات اليورانيوم مكان ذرات الكالسيوم في الشبكة البلورية للفوسفات، مما جعل اليورانيوم جزءاً لا يتجزأ من تكوين الصخرة نفسه وليس مجرد شوائب خارجية.
التوزيع الجغرافي والتركيز في صحراء النقب:
تتركز احتياطيات الفوسفات الحاوية لليورانيوم في عدة مناطق رئيسية شرق مدينة بئر السبع وشرق مدينة عراد، ومن أبرز هذه المواقع:
- حقل روتم (Rotem): ويعتبر من أضخم الحقول التي خضعت للدراسة، حيث تقدر كميات الفوسفات فيه بمئات الملايين من الأطنان.
- منطقة زوهر (Zohar): التي تتميز بجودة عالية من خام الفوسفات.
- وادي حتروريم: وهي منطقة جيولوجية فريدة أظهرت قياسات إشعاعية مرتفعة تشير إلى وجود تركيزات غير عادية من المعادن المشعة.
نسبة التركيز: تشير التقديرات العلمية إلى أن كل طن من خام الفوسفات في هذه المناطق يحتوي على ما يقرب من 120 إلى 150 جراماً من اليورانيوم. وبالرغم من أن هذه النسبة قد تبدو ضئيلة، إلا أن الحجم الإجمالي للفوسفات يجعل مخزون اليورانيوم الإجمالي يقدر بعشرات آلاف الأطنان، وهو ما يكفي لتشغيل مفاعلات نووية لعقود طويلة.
الأهمية الاستراتيجية كبديل للبترول:
مع تزايد القلق العالمي من نضوب البترول والغاز الطبيعي، أصبح اليورانيوم "الوقود الأخضر" الجديد في حسابات الدول الكبرى لعدة أسباب:
- استمرارية التوليد: على عكس الطاقة الشمسية أو الرياح، توفر المفاعلات النووية طاقة "حمل أساسي" (Base Load) تعمل على مدار الساعة دون انقطاع.
- الكفاءة الإنتاجية: إن الطاقة الناتجة عن انشطار جرام واحد من اليورانيوم تعادل الطاقة الناتجة عن حرق نحو 3 أطنان من الفحم أو عدة براميل من البترول.
- أمن الطاقة: امتلاك مصادر محلية لليورانيوم (مثل فوسفات النقب) يمنح الدول استقلالاً سياسياً واقتصادياً بعيداً عن تقلبات أسعار النفط العالمية.
الجدوى الاقتصادية وعملية الاستخلاص:
عملية الحصول على اليورانيوم من الفوسفات لا تتم عبر التعدين التقليدي لليورانيوم، بل تتم كمنتج ثانوي أثناء تصنيع الأسمدة.
- حمض الفوسفوريك: يتم إذابة صخور الفوسفات في حمض الكبريتيك لإنتاج حمض الفوسفوريك.
- الاستخلاص بالمذيبات: في هذه المرحلة، يتركز معظم اليورانيوم في الحمض السائل، حيث يتم استخدام مذيبات عضوية خاصة "لاصطياد" جزيئات اليورانيوم وفصلها، لينتج في النهاية ما يعرف بـ "الكعكة الصفراء" (Yellowcake)، وهي المسحوق الذي يُشحن لمحطات التخصيب.
تعتبر هذه الطريقة مجدية اقتصادياً جداً لأن تكاليف التعدين والطحن تتحملها صناعة الأسمدة في الأصل، مما يجعل اليورانيوم المستخلص "ربحاً صافياً" وإضافياً من نفس المادة الخام.