جسر وادي الرخام:
يُعد جسر وادي الرخام (أو كما يُعرف تقنيًا بجسر رقم 175) أيقونة هندسية بارزة في الجزائر، ليس فقط لضخامته، بل لكونه شريانًا حيويًا يربط بين ولايتي البويرة والمدية، ويقع تحديدًا في منطقة جبلية وعرة بين مدينتي الأخضرية والبويرة.
فيما يلي عرض مفصل وشامل حول هذا المعلم المعماري:
السياق الجغرافي والأهمية الاستراتيجية:
يقع الجسر في منطقة "وادي الرخام" التابعة لبلدية عين الترك بولاية البويرة. يمثل هذا الجسر حلقة وصل جوهرية في الطريق السيار شرق-غرب، وهو المشروع الذي غير وجه النقل في الجزائر. قبل تشييده، كانت هذه المنطقة تشكل عائقًا طبيعيًا كبيرًا بسبب التضاريس الجبلية القاسية والمنحدرات الخطيرة التي كانت تتسبب في حوادث مرور مروعة واختناقات مرورية تدوم لساعات.
الهدف من التشييد:
- تسهيل الحركة: ربط شرق البلاد بغربها وتجاوز المنعرجات الجبلية الخطيرة المعروفة بـ "منعرجات الأخضرية".
- النمو الاقتصادي: تعزيز التبادل التجاري عبر تقليص زمن الرحلة بين العاصمة والولايات الداخلية والشرقية.
- الأمن المروري: توفير مسار آمن يتوافق مع المعايير الدولية للطرق السريعة.
الخصائص التقنية والهندسية:
يعتبر جسر وادي الرخام تحفة هندسية صممتها ونفذتها سواعد مختلطة (جزائرية ودولية) باستخدام تقنيات حديثة تتناسب مع طبيعة التربة الزلزالية في المنطقة.
الأبعاد والارتفاع:
- الارتفاع: يُصنف كأحد أعلى الجسور في القارة الأفريقية، حيث يصل ارتفاع أعلى دعامة فيه إلى حوالي 140 مترًا من قاع الوادي، مما يمنح العابرين شعورًا بالتحليق فوق الغيوم في الأيام الضبابية.
- الطول: يمتد الجسر على مسافة تتجاوز 700 متر، مما يجعله طويلاً بما يكفي لعبور الفجوة السحيقة التي يشكلها الوادي.
التصميم والأساسات:
اعتمد المهندسون في بناء الجسر على خرسانة مسلحة عالية المقاومة، وتم غرس الأساسات في أعماق كبيرة لضمان استقرار المنشأة. صُمم الجسر ليكون بنية مرنة قادرة على امتصاص الهزات الأرضية، وهو أمر ضروري نظرًا لوقوع المنطقة في حزام نشاط زلزالي.
التحديات التي واجهت المشروع:
لم يكن بناء هذا الجسر أمرًا سهلاً، فقد واجهت الشركات المنفذة (مثل مجمع حداد والشركات الإيطالية والصينية) عدة عقبات:
- وعورة التضاريس: صعوبة وصول الآليات الثقيلة إلى قاع الوادي لصب الخرسانة ورفع الدعامات.
- الظروف الجوية: المنطقة معروفة بالرياح القوية والضباب الكثيف وشتاء قارص، مما كان يعيق العمل لأسابيع أحيانًا.
- طبيعة التربة: تطلب الأمر دراسات جيوتقنية معمقة لضمان عدم حدوث انزلاقات تربة تحت أقدام الجسر العملاقة.
الجمالية والسياحة:
إلى جانب وظيفته النفعية، أصبح جسر وادي الرخام مزارًا بصريًا. يتوقف الكثير من المسافرين (في الأماكن المخصصة) لالتقاط الصور التذكارية لهذا الصرح الذي يرتفع فوق غابات الصنوبر والجبال الخضراء المحيطة به. المنظر من فوق الجسر يوفر رؤية بانورامية ساحرة لجبال جرجرة ووديان ولاية البويرة.
الخاتمة:
إن جسر وادي الرخام ليس مجرد قطعة من الإسمنت والحديد، بل هو رمز للتحدي الهندسي في الجزائر المعاصرة. لقد استطاع هذا الجسر أن ينهي معاناة آلاف المسافرين يوميًا ويحول "طريق الموت" القديم إلى مسار عصري وسريع، مؤكدًا أن البنية التحتية القوية هي العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية.